القرطبي

271

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

ومما يدل على صحة هذا ما خرّجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « والذي نفسي بيده لا تذهب الدنيا حتى يأتي على الناس يوم لا يدري القاتل فيما قتل ، ولا المقتول فيما قتل » . فقيل : كيف يكون ذلك ؟ قال : « الهرج ؛ القاتل والمقتول في النار » « 1 » . فبين هذا الحديث أن القتال إذا كان على جهالة من طلب الدنيا أو اتباع هوى كان القاتل والمقتول في النار ، فأما قتال يكون على تأويل ديني فلا ، وأما أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم ورضي عنهم فيجب على المسلمين توقيرهم والإمساك عن ذكر زللهم ونشر محاسنهم ، لثناء اللّه عزّ وجلّ عليهم في كتابه فقال - وقوله الحق - : لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [ الفتح : 18 ] وقال : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ [ الفتح : 29 ] إلى آخر السورة ، وقال : لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ [ الحديد : 10 ] . وكل من ذهب منهم إلى تأويل فهو معذور ، وإن كان بعضهم أفضل من بعض وأكثر سوابق . وقيل : إن من توقّف من الصحابة حملوا الأحاديث الواردة بالكفّ على عمومها فاجتنبوا جميع ما وقع بين الصحابة من الخلاف والقتال ، وربما ندم بعضهم على ترك ذلك كعبد اللّه بن عمر فإنه ندم على تخلّفه عن نصرة علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه فقال عند موته : ما آسى على شيء ما آسى على تركي قتال الفئة الباغية ، يعني فئة معاوية ، وهذا هو الصحيح ؛ أن الفئة الباغية إذا علم منها البغي قوتلت . قال عبد الرحمن بن أبزى : شهدنا صفّين مع علي في ثمان مائة ممن بايع بيعة الرضوان قتل منهم ثلاث وستون منهم عمار بن ياسر . وقال أبو عبد الرحمن السلمي : شهدنا مع عليّ صفين فرأيت عمار بن ياسر لا يأخذ في ناحية من أودية صفين إلا رأيت أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم يتبعونه كأنه علم لهم . قال : وسمعته يقول يومئذ لهاشم بن عتبة : يا هاشم تقدّم ؛ الجنة تحت الأبارقة ، اليوم ألقى الأحبة محمدا وحزبه ، واللّه لو هزمونا حتى يبلغوا بنا شعفات الجبال لعلمنا أنا على الحق وأنهم على الباطل ، ثم قال : نحن ضربناكم على تنزيله * فاليوم نضربكم على تأويله ضربا يزيل إلهام عن مقيله * ويذهل الخليل عن خليله أو يرجع الحقّ إلى سبيله

--> ( 1 ) أخرجه مسلم ( 2908 ) .