القرطبي

266

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

يوشك أن يأتي فيغربل الناس فيه غربلة يبقى حثالة من الناس قد مزجت عهودهم ، وخفّت أمانتهم ، واختلفوا فكانوا هكذا وهكذا » وشبّك بين أصابعه . قالوا : كيف بنا يا رسول اللّه إذا كان ذلك الزمان ؟ قال : « تأخذون بما تعرفون ، وتدعون بما تنكرون ، وتقبلون على خاصّتكم ، وتذرون أمر عامتكم » « 1 » أخرجه أبو داود أيضا . وخرّجه أبو نعيم الحافظ بإسناده عن محمد بن كعب القرظي ، أن الحسن بن أبي الحسن حدّثه أنه سمع شريحا وهو قاضي عمر بن الخطاب ، يقول : قال عمر بن الخطاب : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ستغربلون حتى تصيروا في حثالة من الناس قد مزجت عهودهم وخربت أماناتهم » فقال قائل : كيف بنا يا رسول اللّه ؟ قال : « تعملون بما تعرفون وتتركون ما تنكرون وتقولون أحد أحد انصرنا على من ظلمنا ، واكفنا من بغانا » « 2 » . غريب من حديث محمد بن كعب والحسن وشريح ، ما علمت له وجها غير هذا . ( النسائي ) عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إذا رأيت الناس مزجت عهودهم ، وخفّت أماناتهم ، وكانوا هكذا وهكذا » وشبك بين أصابعه ، فقمت إليه فقلت : له كيف أصنع عند ذلك يا رسول اللّه ، جعلني اللّه فداك ؟ قال : « الزم بيتك وأملك عليك لسانك ، وخذ ما تعرف ، ودع ما تنكر ، وعليك بأمر خاصة نفسك ، ودع عنك أمر العامة » « 3 » خرّجه أبو داود أيضا . ( الترمذي ) عن أبي هريرة ، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « إنكم في زمان من ترك منكم عشر ما أمر به هلك ، ويأتي على الناس زمان من عمل منهم بعشر ما أمر به نجا » « 4 » قال : هذا حديث غريب . وفي الباب عن أبي ذر رضي اللّه عنه . فصل قوله : « يوشك » معناه : يقرب . وقوله : « فيغربل الناس فيها غربلة » عبارة عن موت الأخيار وبقاء الأشرار ، كما يبقى الغربال من حثالة ما يغربله . والحثالة : ما يسقط من قشر الشعير والأرز والتمر ، وكل ذي قشر إذا بقي ، وحثالة الدهن تفله ، وكأنه الرديء من كل شيء . ويقال : حثالة وحفالة بالثاء والفاء معا . كما روى ابن ماجة عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لتنتقون كما ينتقى

--> ( 1 ) أخرجه أبو داود ( 4342 ) وابن ماجة ( 3957 ) . وصححه الألباني . ( 2 ) أخرجه أبو نعيم في « الحلية » ( 4 / 138 ) . ( 3 ) أخرجه النسائي في « عمل اليوم والليلة » ( 205 ) وأبو داود ( 4343 ) . ( 4 ) أخرجه الترمذي ( 2267 ) ، وضعّفه الألباني .