القرطبي

26

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

ليس فيهم مرتاب ولا منافق ولا زنديق فيقول اللّه تعالى : يا أهل الموقف من ربكم ؟ فيقولون : اللّه ، فيقول لهم : أتعرفونه ؟ فيقولون : نعم . فيتجلى لهم ملك عن يسار العرش ، لو جعلت البحار السبع في نقرة إبهامه لما ظهرت ، فيقول لهم بأمر اللّه : أنا ربكم . فيقولون : نعوذ باللّه منك ، فيتجلى لهم ملك العرش عن يمين العرش لو جعلت البحار الأربعة عشر في نقرة إبهامه لما ظهرت فيقول لهم : أنا ربكم . فيقولون : نعوذ باللّه منك ، فيتجلى لهم الرب سبحانه في صورة غير صورته التي كانوا يعرفونها ، ويسمعونه وهو يضحك فيسجدون له جميعهم ، فيقول : أهلا بكم ، ثم ينطلق بهم سبحانه إلى الجنة فيتبعونه فيمر بهم على الصراط . والناس أفواج : المرسلون ، ثم النبيون ، ثم الصديقون ، ثم الشهداء ، ثم المؤمنون ثم العارفون ، ثم المسلمون . منهم المكتوب لوجهه ومنهم المحبوس في الأعراف ومنهم قوم قصروا عن تمام الإيمان فمنهم من يجوز الصراط على مائة عام وآخر يجوز على ألف ، ومع ذلك كله لن تحرق النار من رأى ربه عيانا لا يضام في رؤيته » « 1 » . فتوهّم نفسك يا أخي إذا صرت على الصراط ونظرت إلى جهنم تحتك سوداء مظلمة قد لظى سعيرها وعلا لهيبها وأنت تمشي أحيانا وتزحف أخرى . قال الشاعر : أبت نفسي تتوب فما احتيالي * إذا برز العباد لذي الجلال وقاموا من قبورهم سكارى * بأوزار كأمثال الجبال وقد نصب الصراط لكي يجوزوا * فمنهم من يكب على الشمال ومنهم من يسير لدار عدن * تلقاه العرائس بالغوالي يقول له المهيمن يا وليي * غفرت لك الذنوب فلا تبالي وقال آخر : إذا مدّ الصراط على جحيم * تصول على العصاة وتستطيل فقوم في الجحيم لهم ثبور * وقوم في الجنان لهم مقيل وبان الحقّ وانكشف الغطاء * وطال الويل واتصل العويل وذكر مسلم من حديث أبي هريرة : « فيأتون محمدا صلى اللّه عليه وسلم فيؤذن لهم وترسل الأمانة والرحم فيقومان جنبتي الصراط يمينا وشمالا فيمر أولهم كالبرق الخاطف » . قال : قلت بأبي أنت وأمي وأي شيء كمر البرق ؟ قال : « ألم تر إلى البرق كيف يمر ويرجع في طرفة عين ؟ ثم كمر الريح ، ثم كمر الطير وشد الرجال تجري بهم أعمالهم ونبيكم صلى اللّه عليه وسلم

--> ( 1 ) لم أقف عليه ، ولبعض ألفاظه شواهد قد تقدّمت ، واللّه أعلم .