القرطبي
258
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
أبي القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكوال ، قال : حدثنا جماعة من شيوخنا رحمهم اللّه ، منهم الفقيه المفتي أبو محمد بن عتاب ، قال : أنبأنا الإمام أبو عمر بن عبد البر فيما أجازه لنا بخطّه ، قال : حدثنا خلف بن القاسم ، قال : حدثنا عبد اللّه بن عمر ، قال : حدثنا أحمد بن يحيى ، قال : حدثنا أحمد بن محمد بن الحجاج ، قال : حدثني خالد أبو الربيع وأحمد بن صالح وأحمد بن عمر وابن السرح ويحيى بن سليمان ، قال : حدثنا ابن وهب فذكره ، وأحمد بن محمد بن الحجاج هو ابن رشيد بن سعد أبو جعفر مصري ، قال أبو أحمد ابن عدي : كذّبوه وأنكرت عليه أشياء ، ومحمد بن يزيد بن أبي زياد مجهول قاله الدارقطني ، وباقي السند ثقات معروفون . وأما وقعة صفّين فإن معاوية لما بلغه سير أمير المؤمنين علي كرّم اللّه وجهه إليه من العراق ؛ خرج من دمشق حتى ورد صفين في النصف من المحرم ، فسبق إلى سهولة المنزل وسعة المناخ وقريب الماء من الفرات وبنى قصرا لبيت ماله . وصفّين : صحراء ذات كدى وأكمات ، وكان أهل الشام قد سبقوا إلى المشرعة من سائر الجهات ، ولم يكن ثم مشرعة سواها للواردين والواردات ، فمنعت عليا رضي اللّه عنه إياها وحمتها عن تلك الكماة ، فذكّرهم بالمواعظ الحسنة والآيات ، وحذّرهم بقول النبي صلى اللّه عليه وسلم فيمن منع فضل الماء بالفلاة ، فردوا قوله ، وأجابوه بألسنة الطغاة ، إلى أن قاتلهم بالقواضب والسمهريات ، فلما غلبهم عليها رضي اللّه عنه أباحها للشاربين والشاربات ، ثم بنى مسجدا على تلّ بأعلى الفرات ، ليقيم فيه مدة مقامه فرائض الصلوات ، لفضل صلاة الجماعة على صلاة الفرد بسبع وعشرين من الدرجات ، على ما ثبت في الصحيح من رواية ابن عمر وغيره من الصحابة العدول الثقات ، وحضرها مع علي جماعة من البدريين ، ومن بايع تحت الشجرة من الصحابة المرضيين ، وكان مع علي رايات كانت مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في قتال المشركين ، وكان مقام علي رضي اللّه عنه ومعاوية بصفّين سبعة أشهر ، وقيل : تسعة ، وقيل : ثلاثة أشهر ، وكان بينهم قبل القتال نحو من سبعين زحفا ، وقتل في ثلاثة أيام من أيام البيض وهي ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر ، ثلاثة وسبعون ألفا من الفريقين « 1 » .
--> ( 1 ) وهذه مبالغة في عدد القتلى ؛ فقد ذكر خليفة بن خياط ص ( 186 ) من تاريخه أن عدد القتلى كانوا سبعة آلاف ، وذهب غيره كالمسعودي ( 2 / 360 ) - مروج الذهب - إلى أن عددهم كان ثمانية عشر ألفا . وقد ذكر الأستاذ خالد بن محمد الغيث في كتابه الماتع : « استشهاد عثمان » ص 214 - 215 - الطبعة الأولى - أن عدد القتلى لا يزيد عن المائتين بحسب ما ترجّح عنده . لأسباب ذكرها ، وهي أسباب قوية تأيّد ما قاله ، وفّقه اللّه لما يرضيه .