القرطبي
254
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
عنان فرسه لينصرف ، فقال له ابنه عبد اللّه : إلى أين ؟ قال : أذكرني عليّ كلاما قاله له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . قال : كلا ؛ ولكنك رأيت سيوف بني هاشم حدادا ، ويحملها رجال شداد . قال : ويلك ومثلي يعير بالجبن هلم الرمح فأخذ الرمح وحمل في أصحاب علي . فقال علي : أفرجوا للشيخ فإنه محرج فشقّ الميمنة والميسرة والقلب ، ثم رجع وقال لابنه : لا أمّ لك أيفعل هذا جبان وانصرف . وقامت الحرب على ساق ، وبلغت النفوس إلى التراق ، فأفرجت عن ثلاثة وثلاثين ألف قتيل وقيل عن سبعة عشر ألفا ، وفيه اختلاف فيهم من الأزد أربعة آلاف ومن ضبة ألف ومائة وباقيهم من سائر الناس كلهم من أصحاب عائشة ، وقتل فيها من أصحاب علي نحو من ألف رجل ، وقيل : أقل . وقطع على خطام الجمل سبعون يدا من بني ضبة . كلما قطعت يد رجل أخذ الزمام آخر وهم ينشدون : نحن بنو ضبة أصحاب الجمل * ننازل الموت إذا الموت نزل والموت أشهى عندنا من العسل وكان الجمل للراية إلى أن عقر الجمل وكانوا ألبسوه الأدراع « 1 » . وقال جملة من أهل العلم : إن الوقعة بالبصرة بينهم كانت على غير عزيمة منهم على الحرب ، بل فجأة وعلى سبيل دفع كل واحد من الفريقين عن أنفسهم ، لظنه أن الفريق الآخر قد غدر به ، لأن الأمر كان انتظم بينهم على الصلح والتفريق على الرضا ، فخاف قتلة عثمان من التمكّن منهم والإحاطة بهم ؛ فاجتمعوا وتشاوروا واختلفوا ثم اتفقت آراؤهم على أن يفترقوا فريقين ، ويبدوا في الحرب شجرة في العسكرين ، وتختلف السهام بينهم ، ويصيح الفريق الذي في عسكر عليّ : غدر طلحة والزبير ، والذي في عسكر طلحة والزبير : غدر عليّ ، فتم لهم ما أرادوه ، ودبّروه ؛ ونشبت الحرب ، فكان كل فريق دافعا لمكرته عند نفسه ، ومانعا من الإشاطة بدمه ، وهذا صواب من الفريقين ، وطاعة للّه ، إذ وقع القتال والامتناع منهما على هذا السبيل ، وهذا هو الصحيح المشهور « 2 » . وكان قتالهم من ارتفاع النهار يوم الخميس إلى قرب العصر لعشر ليال خلون من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين .
--> ( 1 ) الخبر في « تاريخ الطبري » ( 4 / 518 ) . وفيه مبالغات غير صحيحة . وانظر للصواب من هذه الروايات ، وبيان صحيحها من سقيمها ؛ كتاب « استشهاد عثمان رضي اللّه عنه ووقعة الجمل » لخالد بن محمد الغيث . ط . دار الأندلس الخضراء ، بجدة . ( 2 ) وقد قال تعالى : وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما . الآية [ سورة الحجرات : 9 ] . فسمّى اللّه الطائفتين « مؤمنين » ، فلا داعي للشنشنة والقعقعة بعد ذلك في هذا الأمر . وما ذكره القرطبي هنا من الكلام ؛ نفيس ومتين ، فتدبّره واحفظ ، واللّه الهادي والموفق .