القرطبي

252

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

فأجاز جماعة من الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين أن يستسلم وهو أحد قولي الشافعي ، وقال بعض العلماء : لا يسلم بيده بل يستنصر ويقاتل . ولكل من القولين وجه ودليل ، وسيأتي بيانه إن شاء اللّه تعالى . وقال بعض العلماء : ولو اجتمع أهل المشرق والمغرب على نصرة عثمان لم يقدروا على نصرته لأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنذره في حياته فأعلمه بالبلوى التي تصيبه ، فكان ذلك من المعجزات التي أخبر بوقوعها بعد موته صلى اللّه عليه وسلم ، وما قال رسول اللّه شيئا قط إلا كان . وقال حسان بن ثابت : قتلتم وليّ اللّه في جوف داره * وجئتم بأمر جائر غير مهتد فلا ظفرت أيمان قوم تعاونوا * على قتل عثمان الرشيد المسدّد وخرّج مسلم في « صحيحة » قال : وحدّثنا محمد بن المثنى ومحمد بن حاتم ، قالا : حدّثنا معاذ بن معاذ ، قال : حدّثنا ابن عوف ، عن محمد قال : قال جندب : جئت يوم الجرعة فإذا رجل جالس ، فقلت له : ليهراقنّ اليوم هاهنا دم . فقال ذلك الرجل : كلا واللّه . قلت : بلى واللّه . قال : كلا واللّه . قلت : بلى واللّه . قال ثلاثا : كلا إنه لحديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حدّثنيه . قلت : بئس الجليس لي أنت منذ اليوم تسمعني أخالفك وقد سمعته من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فلا تنهني ! ثم قلت : ما هذا الغضب ؟ فأقبلت عليه أسائله ، فإذا الرجل حذيفة « 1 » . والجرعة : موضع بجهة الكوفة على طريق الحيرة ، قيده الحفاظ بفتح الجيم والراء ، وقيده بعض رواة الحفاظ أيضا بإسكان الراء ، وهو يوم خرج فيه أهل الكوفة متألبين متعصبين ليردوا إلى عثمان بن عفان وهو سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس ، وكتبوا إلى عثمان : لا حاجة لنا في سعيدك ولا وليدك ، وكان رده سنة أربع وثلاثين . وكتبوا إلى عثمان أن يولّي عليهم أبا موسى الأشعري ، فلم يزل واليا عليهم إلى أن قتل عثمان ، ولما سمع بقتله يعلى بن أمية التميمي الحنظلي أبو صفوان . ويقال أبو خالد ، أسلم يوم الفتح وشهد مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حنينا والطائف وتبوك ، وكان صاحب الجند وصنعاء - أقبل لينصره فسقط عن بعيره في الطريق فانكسرت فخذه ، فقدم مكة بعد انقضاء الحج فخرج إلى المسجد وهو كسير على سرير واستشرف إليه الناس واجتمعوا ، فقال : من خرج يطلب بدم عثمان فعليّ جهازه فأعان الزبير بأربعمائة ألف ، وحمل سبعين رجلا من قريش ،

--> ( 1 ) أخرجه مسلم ( 2893 ) .