القرطبي
243
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
سعّرت النار ، وجاءت الفتن كأنها قطع الليل المظلم ، لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا » « 1 » . قال أبو الحسن القابسي : هذا وإن كان مرسلا فإنه من جيد المراسيل ، وعبيد بن عمير من أئمة المسلمين . ( مسلم ) عن سالم بن عبد اللّه أنه قال : يا أهل العراق ما أسألكم عن الصغيرة وأركبكم للكبيرة ! سمعت أبي عبد اللّه بن عمر يقول : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « إن الفتنة تجيء من هاهنا » وأومأ بيده نحو المشرق « من حيث يطلع قرنا الشيطان » ، وأنتم يضرب بعضكم رقاب بعض ، وإنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ ، فقال اللّه تعالى له : وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً « 2 » [ طه : 40 ] . وعن معقل بن يسار عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « العبادة في الهرج كهجرة إليّ » « 3 » . فصل قوله : « ويل للعرب من شر قد اقترب » ؛ قد تقدم معنى الويل ، والمراد به هنا : الحزن ، قاله ابن عرفة . فأخبر عليه الصلاة والسلام بما يكون بعده من أمر العرب وما يستقبلهم من الويل والحرب . وقد وجد ذلك بما استؤثر عليهم به من الملك والدولة والأموال والإمارة فصار ذلك في غيرهم من التّرك والعجم ، وتشتتوا في البراري بعد أن كان العزّ والملك والدنيا لهم ببركته عليه الصلاة والسلام ، وما جاءهم به من الدين والإسلام ، فلما لم يشكروا النعمة وكفروها بقتل بعضهم بعضا ، وسلب بعضهم أموال بعض ؛ سلبها اللّه منهم ونقلها إلى غيرهم . كما قال تعالى : وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ [ محمد : 38 ] ولهذا لما قالت زينب في سياق الحديث : « أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال : نعم إذا كثر الخبث » . فصل قال علماؤنا رحمة اللّه عليهم : قولها : « أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال : نعم إذا كثر الخبث » ؛ دليل على أن البلاء قد يرفع عن غير الصالحين إذا كثر الصالحون . فأما إذا كثر المفسدون وقلّ الصالحون هلك المفسدون والصالحون معهم ، إذا لم يأمروا بالمعروف ويكرهوا ما صنع المفسدون ، وهو معنى قوله : وَاتَّقُوا
--> ( 1 ) أخرجه ابن أبي شيبة في « مصنفه » ( 15 / 36 / 19041 ) بإسناد رجاله ثقات ؛ لكنه مرسل . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 7092 ) ومسلم ( 2905 ) . ( 3 ) أخرجه مسلم ( 2948 ) .