القرطبي
230
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
وليست أحاديث الأئمة الفقهاء ، وهو أصل عظيم والقطع فيه بمثل هذه الأحاديث ضعيف في العلم والنظر ، مع أنه قد عارضها ما هو أقوى مجيبا منها . ذكر البخاري حديث أبي رجاء العطاردي عن سمرة بن جندب عن النبي صلى اللّه عليه وسلم الحديث الطويل وفيه قوله عليه الصلاة والسلام : « وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإبراهيم عليه السلام ، وأما الولدان حوله فكل مولود يولد على الفطرة » . فقيل : يا رسول اللّه ؛ وأولاد المشركين ؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « وأولاد المشركين » « 1 » . وخرّج البخاري أيضا في رواية أخرى عن أبي رجاء العطاردي : « والشيخ في أصل الشجرة إبراهيم عليه السلام والصبيان حوله أولاد الناس » « 2 » . وهذا يقتضي عمومه جميع الناس . قلت : ذهب إلى هذا الجماعة من العلماء - وهو أصحّ شيء في الباب - قالوا : أولاد المشركين إذا ماتوا صغارا في الجنة ، واحتجوا بحديث عائشة ؛ ذكره أبو عمر في « التمهيد » قالت : سألت خديجة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : عن أولاد المشركين فقال : « هم مع آبائهم » ثم سألته بعد ذلك ، فقال : « اللّه أعلم بما كانوا عاملين » ثم سألته بعد ما استحكم الإسلام فنزلت : وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [ الزمر : 7 ] قال : « هم على الفطرة - أو قال - : هم في الجنة » « 3 » . قلت : هذا حديث مرتب في غاية البيان وهو يقضي على ما روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في أحاديث صحاح من قوله في الأطفال : « اللّه أعلم بما كانوا عاملين » . فكان ذلك منه قبل أن يعلم أن أولاد المشركين في الجنة ، وقبل أن ينزل عليه : وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى . وقد كان عليه الصلاة والسلام أنزل عليه بمكة : قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ [ الأحقاف : 9 ] ولم يكشف له عن عاقبة أمرهم وأمر المشركين ، ثم أنزل عليه : هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى [ التوبة : 33 ] الآية ، وأنزل عليه : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ [ الصافات : 171 - 173 ] وأنزل عليه : وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ [ الصف : 13 ] فأعلمه بأن الذي يفعل به أن يظهر عليهم .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 7047 ) . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 1386 ) . ( 3 ) أخرجه ابن عبد البر في « التمهيد » ( 18 / 117 ) ، وضعّف إسناده السيوطي في « البدور السافرة » رقم ( 1268 ) .