القرطبي

216

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

وذكره القتبي في « عيون الأخبار » له مرفوعا عن علي رضي اللّه عنه أنه قال : سألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن قول اللّه عزّ وجلّ : يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً [ مريم : 85 ] ما هؤلاء الوفد ؟ قال : يحشرون ركبانا ثم قال : والذي نفسي بيده ؛ إنه إذا خرجوا من قبورهم ركبوا نوقا عليها رحائل الذهب ، مرصّعة بأنواع الجوهر ، فتسير بهم إلى باب الجنة ، قال : وعند باب الجنة شجرة ينبع من أصلها عينان ، فيشربون من إحدى تلك العيون ، فإذا بلغ الشراب البطن ؛ طهّرهم اللّه به من دنس الدنيا وقذرها ، فذلك قوله تعالى : وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً . قال : ثم يغتسلون من العين الأخرى ، فلا تشعث رؤوسهم ولا تتغيّر ألوانهم . قال : ثم يضربون حلق أبواب الجنة ، فلو سمعت الخلائق طنين الأبواب لافتتنوا بها ، فيبادر رضوان فيفتح لهم ، فينظرون إلى حسن وجهه فيخرّون ساجدين ، فيقول لهم رضوان : يا أولياء اللّه ؛ أنا قيّمكم الذي وكلت بكم وبمنازلكم ، فينطلق بهم إلى قصور من فضة ، شرفاتها من ذهب ، يرى ظاهرها من باطنها من النور والرقة والحسن ، قال : فيقول أولياء اللّه عند ذلك : يا رضوان ! لمن هذا ؟ فيقول : هذا لكم . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « فلو لا أن الموت يرفع عن أهل الجنة لمات أكثرهم فرحا » . قال : « ثم يريد أحدهم أن يدخل قصره » ، فيقول له رضوان : اتبعني حتى أريك ما أعدّ اللّه لك . قال : فيمرّ به فيريه قصورا وخياما ، وما أعطاه اللّه عزّ وجلّ . قال : ثم يأتي به إلى غرفة من ياقوتة من أسفلها إلى أعلاها مائة ذراع ، قد لوّنت بجميع الألوان ، على جنادل الدر والياقوت ، وفي الغرفة سرير طوله فرسخ في عرض مثل ذلك ، عليه من الفراش كقدر خمسين غرفة ، بعضها فوق بعض . قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : فذلك قوله عزّ وجلّ : وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ [ الواقعة : 34 ] وهي من نور والسرير من نور ، وعلى رأس ولي اللّه تاج له سبعون ركنا ، في كل ركن سبعون ياقوتة تضيء ، وقد رد اللّه وجهه كالبدر ، وعليه طوق ووشاح يتلألأ من نور ، وقد سور بثلاثة أسورة ؛ سوار من الذهب وسوار من الفضة وسوار من لؤلؤ ، فذلك قوله تعالى : يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ [ الحج : 23 ] . وقوله تعالى : جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها [ الرعد : 23 ] قال ابن عباس : الجنات سبع : دار الجلال ، ودار السلام ، وجنة عدن ، وجنة المأوى ، وجنة الخلد ، وجنة الفردوس ، وجنة النعيم . وقيل : إن الجنان أربع ، لأن اللّه تعالى قال : وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ [ الرحمن : 46 ] . وقال بعد ذلك : وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ [ الرحمن : 62 ] ولم يذكر سوى هذه الأربع جنة خامسة ، فإن قيل : فقد قال : جَنَّةُ الْمَأْوى [ النجم : 15 ]