القرطبي

213

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

الجنة الذي وعده لهم ، وتنعّموا بشهوات النفوس التي أعدّت لهم وليس ذلك إن شاء اللّه تعالى على معنى الاحتجاب عنهم الذي هو بمعنى الغيبة والاستتار ، فيكونوا له ناسين وعن شهوده محجوبين ، وإلى نعيم الجنة ساكنين ، ولكنه يردّهم إلى ما نسوه ، ولا تحجبهم عما شاهدوه حجبة غيبة واستتار ، يدل على ذلك قوله : « بقي نوره وبركته عليهم في ديارهم » . وكيف يحجبهم عنه وهو ينعت المزيد عليهم ، وما وعدهم به من النعيم ؟ والنظر إذا صحّ ، والحجبة إذا ارتفعت لم يكن بين نظر البصر وشهود السر فرق ، ولا بين حال الشهود والغيبة فرق ، فيكون محجوبا في حال الغيبة بل تتفق الأوقات وتتساوى الأحوال ، فيكون في كل حال شاهدا وبكل جارحة ناظرا ، ولا يكون في حال محجوبا ولا بالغيب موصوفا . حكاية حكي عن قيس المجنون أنه قيل له : ندعو لك ليلى ؟ فقال : وهل غابت عني فتدعى ؟ ! فقيل له : أتحبّ ليلى ؟ فقال : المحبة ذريعة الوصلة ، وقد وقع الوصل ، فأنا ليلى وليلى أنا ! واللّه أعلم . * * * 217 باب منه ، وبيان قوله تعالى : وَلَدَيْنا مَزِيدٌ ( يحيى بن سلام ) قال : أخبرنا رجل من أهل الكوفة ، عن داود بن أبي هند ، عن الحسن قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن أهل الجنة لينظرون إلى ربّهم في كل جمعة على كثيب من كافور ، لا يرى طرفاه ، وفيه نهر جار حافتاه المسك ، عليه جوار يقرأن القرآن بأحسن أصوات سمعها الأوّلون والآخرون ، فإذا انصرفوا إلى منازلهم أخذ كلّ رجل بيد من شاء منهنّ ثم يمرّون على قناطر من لؤلؤ إلى منازلهم ، فلو لا أن اللّه تعالى يهديهم إلى منازلهم ما اهتدوا إليها ، لما يحدث اللّه إليهم في كل جمعة » « 1 » . وخرّج عن بكر بن عبد اللّه المزني قال : إن أهل الجنة ليزورون ربهم في مقدار كل عيد ، كأنه يقول : في كل سبعة أيام مرة ، فيأتون ربّ العزّة في حلل خضر ووجوه مشرقة وأساور من ذهب مكلّلة بالدرّ والزمرد ، عليهم أكاليل الذهب ويركبون نجائبهم ويستأذنون على ربهم ، فيأمر لهم ربنا بالكرامة .

--> ( 1 ) إسناده ضعيف .