القرطبي

187

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

إلى الفقر أقرب ، لقد حصل له ما حصل للفقير من الثواب على الصبر ، وكفي مرارته وآفاته ، وعلى هذا فأهل الكفاف - وهم إن شاء اللّه صدر كتيبة الفقراء الداخلين الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام - لأنهم وسطهم والوسط العدل ، كما قال اللّه تعالى : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ [ البقرة : 143 ] أي : عدولا خيارا ، وليسوا من الأغنياء كما ذكرنا . باب منه ( الترمذي ) عن ابن عمر قال : خطبنا عمر بالجابية فقال : يا أيها الناس إني قمت فيكم كمقام رسول اللّه فينا ، فقال : « أوصيكم بأصحابي ، ثم الذين يلونهم ثم يفشوا الكذب ؛ حتى يحلف الرجل ولا يستحلف ، ويشهد الشاهد ولا يستشهد ، لا يخلون رجل بامرأة لا تحل له إلا كان ثالثهما الشيطان ، عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة ؛ فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد ، من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة ، من سرّته حسنته وساءته سيئته فذلكم المؤمن » « 1 » . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح غريب . * * * 197 باب منه ، وما جاء في صفة أهل الجنة ومراتبهم وسنّهم وطولهم وشبابهم وعرقهم وثيابهم وأمشاطهم ومجامرهم وأزواجهم ، وفي لسانهم ، وليس في الجنة عزب ( مسلم ) عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن أول زمرة يدخلون الجنة - وفي رواية : من أمتي - على صورة القمر ليلة البدر ، ثم الذين يلونهم على أشدّ كوكب دري في السماء أضاء - وفي رواية - : ثم هم بعد ذلك منازل ، لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتفلون ولا يمتخطون ، أمشاطهم الذهب - وفي رواية - : الفضة ، ورشحهم المسك ومجامرهم الألوّة ، وأزواجهم الحور العين - وفي رواية - : لكل واحد منهم زوجتان ؛ يرى مخّ ساقيها من وراء اللحم من الحسن ، لا اختلاف بينهم ولا تباغض ، قلوبهم قلب واحد ، يسبحون اللّه بكرة وعشيا » « 2 » .

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي ( 2165 ) ، وصححه الألباني . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 3254 ) ومسلم ( 2834 ) .