القرطبي
185
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
يقول : « إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة بأربعين خريفا » « 1 » . فصل قال المؤلف رحمه اللّه : اختلاف هذه الأحاديث يدل على أن الفقراء مختلفو الحال ، وكذلك الأغنياء ، وقد تقدم حديث أبي بكر بن أبي شيبة « أول ثلاثة يدخلون الجنة » ولا تعارض - والحمد للّه - فإن الحديثين مختلفا المعنى . وقد اختلف في أي الفقراء هم السابقون وفي مقدار المدة التي بها يسبقون ويرتفع الخلاف عن الموضع الأول بأن يرد مطلق حديث أبي هريرة إلى مقيّد روايته الأخرى ، وكذلك حديث جابر يردّ أيضا إلى حديث عبد اللّه بن عمرو ، ويكون المعنى : فقراء المسلمين المهاجرين ، إذ المدة فيها أربعون خريفا ، ويبقى حديث أبي سعيد الخدري في المدة بخمسمائة عام في فقراء المهاجرين ، وكذلك حديث أبي الدرداء في فقراء المسلمين بنصف يوم خمسمائة سنة . ووجه الجمع بينهما أن يقال : إن سباق الفقراء من المهاجرين يسبقون سباق الأغنياء منه بأربعين خريفا ، وغير سباق الأغنياء بخمسمائة عام ، وقد قيل : إن حديث أبي هريرة وأبي الدرداء وجابر يعم جميع فقراء قرون المسلمين ، فيدخل الجنة سباق فقراء كل قرن قبل غير السباق من أغنيائهم بخمسمائة عام على حديث أبي هريرة وأبي الدرداء ، وقيل : السباق بأربعين خريفا على ما تقدم من حديث جابر ، واللّه أعلم . فصل قلت : وقد احتج بأحاديث هذا الباب من فضّل الفقير على الغني ، وقد اختلف الناس في هذا المعنى وطال فيه الكلام بينهم حتى صنفوا فيه كتبا وأبوابا « 2 » ، واحتج كل فريق لمذهبه في ذلك ، والأمر قريب . وقد سئل أبو علي الدقاق : أي الوصفين أفضل ؛ الغنى أو الفقر ؟ فقال : الغنى ؛ لأنه وصف الحق ، والفقر وصف الخلق ، ووصف الحق أفضل من وصف الخلق ، قال اللّه تعالى : * يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [ فاطر : 15 ] . وبالجملة فالفقير بالحقيقة ؛ العبد وإن كان له مال ، وإنما يكون غنيا إذا عول على مولاه ولم ينظر إلى أحد سواه ، فإن تعلق باله بشيء من الدنيا ورأى نفسه أنه
--> ( 1 ) أخرجه مسلم ( 2979 ) . ( 2 ) انظر في ذلك : « المفاضلة بين الغني الشاكر والفقير الصابر » لمحمد بن بير علي البركلي . طبع دار ابن حزم ببيروت .