القرطبي
177
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
وذكر أبو نعيم الحافظ ، من حديث محمد بن واسع ، عن الحسن ، عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهما قال : خرج علينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ذات يوم فقال : « ألا أخبركم بغرف الجنة » ؟ قلنا : بلى ؛ بأبينا وأمنا يا رسول اللّه . قال : « إن في الجنة غرفا من ألوان الجواهر يرى ظاهرها من باطنها ، وباطنها من ظاهرها ، فيها من النعيم والثواب والكرامات ما لا أذن سمعت ، ولا عين رأت » . فقلنا : بأبينا أنت وأمّنا يا رسول اللّه ؛ لمن تلك ؟ فقال : « لمن أفشى السلام ، وأدام الصيام ، وأطعم الطعام ، وصلى والناس نيام » . فقلنا : بأبينا أنت وأمّنا يا رسول اللّه ؛ ومن يطيق ذلك ؟ فقال : « أمتي تطيق ذلك ، وسأخبركم من يطيق ذلك ؛ من لقي أخاه المسلم فسلّم عليه فقد أفشى السلام ، ومن أطعم أهله وعياله من الطعام حتى أشبعهم فقد أطعم الطعام ، ومن صام رمضان ومن كل شهر ثلاثة أيام فقد أدام الصيام ، ومن صلى العشاء الأخيرة في جماعة فقد صلى والناس نيام ، واليهود ، والنصارى ، والمجوس » « 1 » . فصل اعلم أن هذه الغرف مختلفة في العلو والصفة بحسب اختلاف أصحابها في الأعمال ، فبعضها أعلى من بعض وأرفع . وقوله : « الغائر من المشرق أو المغرب » يروى بالياء ؛ اسم فاعل ، من غار . وقد روى مسلم « في غير الغارب بتقديم الراء » والمعنى واحد . وروى « الغابر » بالباء بواحدة ، ومعناه : الذاهب أو الباقي ، فإن غبر من الأضداد ، يقال : غبر إذا ذهب ، وغبر إذا بقي ، ويعني به أن الكوكب حالة طلوعه وغروبه بعيد عن الأبصار فيظهر صغيرا لبعده ، وقد بيّنه بقوله : « من المشرق أو المغرب » . وقد روي « العازب » بالعين المهملة والزاي ، أي : البعيد ، ومعانيها كلها متقاربة المعنى . وقوله : « والذي نفسي بيده ؛ رجال آمنوا باللّه وصدقوا المرسلين » ولم يذكر عملا ولا شيئا سوى الإيمان والتصديق للمرسلين ، ذلك ليعلم أنه عنى الإيمان البالغ ، وتصديق المرسلين من غير سؤال آية ولا تلجلج ، وإلا فكيف تنال الغرفات بالإيمان والتصديق الذي للعامة ؟ ولو كان كذلك كان جميع الموحّدين في أعالي الغرفات وأرفع الدرجات ، وهذا محال ، وقد قال اللّه تعالى : أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا والصبر : بذل النفس والثبات له وقوفا بين يديه بالقلوب عبودية ، وهذه صفة المقرّبين . وقال في آية أخرى : وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلَّا مَنْ
--> ( 1 ) أخرجه أبو نعيم في « الحلية » ( 2 / 356 ) والبيهقي في « البعث » ( 253 ) وابن السماك في « فوائده » كما في « حادي الأرواح » ص 250 .