القرطبي
162
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
قلت : إن قال قائل : قد سوّى النبي صلى اللّه عليه وسلم بين الأشياء الثلاثة وأنه يحرمها في الآخرة ، فهل يحرمها إذا دخل الجنة ؟ قلنا : نعم ؛ إذا لم يتب منها ، لقوله عليه الصلاة والسلام : « من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة » « 1 » . خرّجه مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم . وكذلك لابس الحرير ، ومن أكل في آنية الذهب والفضة ، أو شرب فيها لاستعجاله ما أخر اللّه له في الآخرة ، وارتكاب ما حرم اللّه عليه في الدنيا . وقد روى أبو داود الطيالسي في « مسنده » قال : حدّثنا هشام ، عن قتادة ، عن داود السراج ، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة ، وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه هو » « 2 » . وهذا نص صريح ، وإسناده صحيح ، فإن كان « وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه » من قول النبي صلى اللّه عليه وسلم فهو الغاية في البيان ، وإن كان من قول الراوي على ما ذكر أنه موقوف « 3 » ؛ فهو أعلم بالمقال ، وأقعد بالحال ، ومثله لا يقال من جهة الرأي ، وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان . * * * 183 باب ما جاء في أشجار الجنة وفي ثمارها وما يشبه ثمر الجنة في الدنيا . ( الترمذي ) عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : يقول اللّه عزّ وجلّ : « أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر » ، اقرءوا إن شئتم : فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [ السجدة : 17 ] وفي الجنة شجرة يسير الراكب في ظلّها مائة عام ولا يقطعها ، واقرءوا إن شئتم : وَظِلٍّ مَمْدُودٍ [ الواقعة : 30 ] وموضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها ،
--> ( 1 ) أخرجه مالك في « الموطأ » ( 2 / 284 ) - 42 - كتاب الأشربة . ( 4 ) باب تحريم الخمر ، والبخاري ( 5575 ) ومسلم ( 2003 ) . ( 2 ) أخرجه الطيالسي ( 2217 ) . ( 3 ) ذلك أن بعض العلماء عدّ هذه الجملة مدرجة في الحديث ؛ وانظر « فتح الباري » للحافظ ابن حجر العسقلاني ( 10 / 244 ) .