القرطبي

144

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

بسرعة نبات تلك الحبة ، وفي التنزيل : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً [ الحج : 63 ] . وقوله : « وأطولهم مكثا من يمكث فيها مثل الدنيا منذ خلقت إلى يوم أفنيت ، وذلك سبعة آلاف سنة » . اختلف في انقضاء هذا العالم ، وفي مدة الدنيا ، وأكثر المنجّمون في ذلك ، فقال بعضهم : عمر الدنيا سبعة آلاف سنة بعدد النجوم السيارة ، لكل واحد ألف سنة . وقال بعضهم : بأنها اثنتا عشرة ألف سنة بعدد البروج ، لكل ألف سنة . وقال بعضهم : بأنها ثلاثمائة وستون ألف سنة بعدد درجات الفلك ، لكل درجة ألف سنة . وقوله : « إلا رجلا واحدا يمكث فيها ألف سنة ، ثم ينادي : يا حنان يا منان » ؛ الحنان : الذي يقبل على من أعرض عنه « 1 » ، والمنان : الذي يبدأ بالنوال قبل السؤال ، سبحانه وتعالى لا إله إلا هو « 2 » . روي ذلك عن علي رضي اللّه عنه . وقد ذكرنا في كتاب « الأسنى في شرح أسماء اللّه الحسنى وصفاته العليا » مستوفى والحمد للّه . وقد تقدم الكلام في نحو ذلك الاسم عنهم ، فلا معنى لإعادته . وقوله : « وينساهم على عرشه » ؛ أي : يتركهم في العذاب ، كما قال : نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [ التوبة : 67 ] أي : تركوا عبادته وتوحيده فتركهم . والعرش في كلام العرب له محامل كثيرة ، قد أتينا عليها في كتاب « الأسنى في شرح أسماء اللّه الحسنى » منها : الملك ، كما قال زهير : تداركتما عبسا وقد ثلّ عرشها * وذبيان إذ زلّت بأقدامها النعل وقال آخر : بعد ابن جفنة وابن هاتك عرشه * والحارثين يؤمّلون فلاحا وتقول العرب : ثلّ عرش فلان ؛ إذا ذهب عزه وسلطانه وملكه . فالمعنى : وينساهم الرحمن على عرشه ، أي : بما هو عليه من الملك والسلطان والعظمة والجلال ، لا يعبأ بهم ، ولا يلتفت إليهم لما حكم به في الأزل عليهم من خلودهم في النار ، ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سمّ الخياط . وأجمع أهل السنة على أن أهل النار مخلّدون فيها غير خارجين منها ، كإبليس ، وفرعون ، وهامان ، وقارون ، وكل من كفر وتكبّر وطغى ؛ فإن له جهنم لا

--> ( 1 ) انظر في معنى هذا الاسم : « النهج الاسمي في شرح أسماء اللّه الحسنى » لمحمد الحمود النجدي ( 3 / 75 - وما بعدها ) . ( 2 ) المصدر السابق ( 3 / 81 - وما بعدها ) .