القرطبي
137
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
قال اللّه تعالى : كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ [ الملك : 8 ] . ويؤيده أيضا قوله في الحديث : « لا يزال يلقى فيها فالخزنة تنظر أولئك المتأخرين إذ قد علموهم بأسمائهم وأوصافهم » ، كما روي عن ابن مسعود أنه قال : « ما في النار بيت ولا سلسلة ولا مقمع ولا تابوت إلا وعليه اسم صاحبه ؛ فكل واحد من الخزنة ينتظر صاحبه الذي قد عرف اسمه وصفته ، فإذا استوفى كل واحد ما أمر به وما ينتظره ولم يبق منه أحد ، قالت الخزنة : قط قط ، أي : حسبنا حسبنا ، اكتفينا اكتفينا ، وحينئذ تنزوي جهنم على من فيها وتنطبق ، إذ لم يبق أحد ينتظر » . فعبّر عن ذلك الجمع المنتظر بالرّجل والقدم ، لا أن اللّه جسم من الأجسام ، تعالى اللّه عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا . والعرب تعبّر عن جماعة الناس والجراد بالرجل ، فتقول : جاءنا رجل من جراد ، ورجل من الناس ، أي : جماعة منهم ، والجمع : أرجل . ويشهد لهذا التأويل « 1 » قوله في نفس الحديث : « ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ اللّه خلقا فيسكنهم فضل الجنة » . وفي الحديث تأويلات أتينا عليها في الأسماء والصفات أشبهها ما ذكرناه . وفي التنزيل : أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ [ يونس : 2 ] قال ابن عباس : المعنى : منزل صدق ، وقال الطبري : معنى قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ : عمل صالح . وقيل : هو السابقة الحسنة ؛ فدل على أن القدم ليس حقيقة في الجارحة ، واللّه الموفق . قال ابن فورك : وقال بعضهم : القدم خلق من خلق اللّه يخلقه يوم القيامة فيسمّيه قدما ، ويضيفه إليه من طريق الفعل يضعه في النار فتمتلئ النار منه ، واللّه أعلم . قلت : وهذا نحو مما قلناه في الرجل . قال الشاعر : فمرّ بنا رجل من الناس وانزوى * إليهم من الحيّ اليمانيّ أرجل قبائل من لخم وعكّ وحمير على * ابني نزار بالعداوة أحفل وقال آخر : يرى الناس أفواجا إلى باب داره * كأنهم رجلا دبا وجراد فيوم لإلحاق الفقير بذي الغنى * ويوم رقاب بوكرت بحصاد الدبى : الجراد قبل أن يطير ، واللّه أعلم . * * *
--> ( 1 ) سبق الكلام على مثل هذا التأويل من القرطبي ، ومذهب السلف هو الإثبات دون تشبيه ولا تعطيل كما تقدم ، واللّه المستعان .