القرطبي
13
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
يردها عليه في ذلك اليوم بعظم قدرها ومحل موقعها ، وترجح بخطاياه وإن كثرت ، وبذنوبه وإن عظمت ، وللّه الفضل على عباده ، ويتفضل على من يشاء بما شاء . قلت : ويدل على هذا قوله في الحديث فيقول : « بلى إن لك عندنا حسنة » ولم يقل : إن لك إيمانا . وقد سئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن لا إله إلا اللّه أمن الحسنات هي ؟ فقال : « من أعظم الحسنات » « 1 » . خرجه البيهقي وغيره . ويجوز أن تكون هذه الكلمة هي آخر كلامه في الدنيا ، كما في حديث معاذ بن جبل قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من كان آخر كلامه في الدنيا لا إله إلا اللّه وجبت له الجنة » « 2 » . رواه صالح بن أبي غريب ، عن كثير بن مرة ، عن معاذ وقد تقدم أول الكتاب . وقيل : يجوز حمل هذه الشهادة على الشهادة التي هي الإيمان ، ويكون ذلك في كل مؤمن ترجح حسناته ، ويوزن إيمانه كما توزن سائر حسناته ، وإيمانه يرجح سيئاته ، كما في هذا الحديث ، ويدخله النار بعد ذلك فيطهره من ذنوبه ، ويدخله الجنة بعد ذلك . وهذا مذهب قوم يقولون : إن كل مؤمن يعطي كتابه بيمينه ، وكل مؤمن يثقل ميزانه ، ويتأولون قول اللّه تعالى : فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [ المؤمنون : 102 ] أي : الناجون من الخلود ، وهو في قوله : فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ [ القارعة : 7 ] يوما ما ، وكذلك في قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « من كان آخر كلامه لا إله إلا اللّه وجبت له الجنة » إنه صائر إليها لا محالة أصابه قبل ذلك ما أصابه . قلت : هذا تأويل فيه نظر إلى دليل من خارج ينص عليه ، والذي تدل عليه الآي والأخبار أن من ثقل ميزانه فقد نجا وسلم ، وبالجنة أيقن وعلم أنه لا يدخل النار بعد ذلك ، واللّه أعلم . وقال عليه السلام : « ما شيء يوضع في الميزان أثقل من خلق حسن » « 3 » خرجه الترمذي عن أبي الدرداء وقال فيه : حديث حسن صحيح . وقد تقدم من حديث سمرة بن جندب رضي اللّه عنه قوله عليه السلام : « ورأيت رجلا من أمتي قد خف ميزانه فجاء أفراطه فثقلوا ميزانه » . وكذلك الأعمال الصالحة دليل على فضل الصلاة على النبي صلى اللّه عليه وسلم .
--> ( 1 ) أخرجه أحمد ( 5 / 169 ) والبيهقي في « الأسماء والصفات » ص 107 . وهو حديث صحيح بطرقه وشواهده . انظر « الصحيحة » رقم ( 1373 ) . ( 2 ) تقدّم . ( 3 ) أخرجه أبو داود ( 4799 ) والترمذي ( 2002 ) ، وصحّحه الشيخ الألباني .