القرطبي
83
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
مقبوض ، غدوا فبطشوا به يعالجون نزع روحه ، فإذا بلغوا بالروح الحلقوم ، علمت ذلك فلم يخف عليّ شيء من أمره ، مددت يدي فأنزعه من جسده وآلي قبضه » « 1 » . وفي الخبر ؛ أنه ينزل عليه أربعة من الملائكة : ملك يجذب النفس من قدمه اليمنى ، وملك يجذبها من يده اليسر . ذكره أبو حامد . وقال : وربما كشف للميت عن الأمر الملكوتي قبل أن يغرغر ، فيعاين الملائكة على حقيقة عمله ، على ما يتحيزون إليه من عالمهم ، فإن كان لسانه منطلقا حدث بوجودهم ، وربما أعاد على نفسه الحديث بما رأى ، وظن أن ذلك من فعل الشيطان به ، فيسكت حين يعقل لسانه وهم يجذبونها من أطراف البنان ورؤوس الأصابع ، والنفس تنسلّ انسلال القذاة من السقا . والفاجر تسل روحه كالسّفود من الصوف المبلول . هكذا حكى صاحب الشرع عليه السلام . والميت يظن أن بطنه ملئت شوكا ، كأنما نفسه تخرج من ثقب إبرة ، وكأن السماء انطبقت على الأرض وهو بينهما ، فإذا احتضرت نفسه إلى القلب ، مات لسانه عن النطق فما أحد ينطق ، والنفس مجموعة في صدره لسرّين : أحدهما : أن الأمر عظيم قد ضاق صدره بالنفس المجتمعة فيه ، ألا ترى أن الإنسان إذا أصابته ضربة في الصدر بقي مدهوشا ، فتارة لا يقدر على الكلام ، وكل مطعون يطعن يصوّت ، إلا مطعون الصدر فإنه يخر من غير تصويت . وأما السر الآخر ؛ فلأن الذي فيه حركة الصوت المندفعة من الحرارة الغريزية فصار نفسه متغير الحالتين ، حال الارتفاع والبرودة ، لأنه فقد الحرارة ، فعند هذا الحين تختلف أحوال الموتى ، فمنهم من يطعنه الملك حينئذ بحربة مسمومة قد سقيت سمّا من نار فتفر الروح ، وتفيض خارجة ، فيأخذها الملك في يده وهي ترعد أشبه شيء بالزئبق ، على قدر الجرادة شخصا إنسانيّا ، ثم يناولها الزبانية . ومن الموتى من تجذب نفسه رويدا حتى تنحصر في الحنجرة ، وليس يبقى في الحنجرة إلا شعبة متصلة بالقلب ، فحينئذ يطعنها بتلك الحربة الموصوفة . قال الشيخ المؤلف رحمه اللّه : لم أجد لهذه الحربة في الأخبار ذكرا إلا ما ذكره أبو نعيم الحافظ . قال : حدّثنا أحمد بن عبد اللّه بن محمود قال : حدّثنا محمد بن أحمد بن يحيى قال : حدّثنا سلمة بن شبيب ، قال : حدّثنا الوليد بن مسلم ، قال : حدّثنا ثور ابن يزيد ، عن خالد بن معدان ، عن معاذ بن جبل قال : إن لملك الموت عليه
--> ( 1 ) لم أقف عليه .