القرطبي
81
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
بالسوط فوقه ، وصوت الفارس يقول : أقدم حيزوم ، إذ نظر إلى المشرك أمامه ، فخر مستلقيا ، فنظر إليه ، فإذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه لضربة السوط ، فاخضرّ ذلك أجمع ، فجاء الأنصاري فحدّث بذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : « صدقت ذلك من مدد السماء الثانية » ، فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين . وذكر الحديث « 1 » . وقال تعالى : وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ [ الأنعام : 93 ] أي بالعذاب أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ [ الأنعام : 93 ] إلى قوله : يَسْتَكْبِرُونَ [ الأعراف : 206 ] . وقد زادت السنة هذا النوع بيانا على ما يأتي . فصل إن قال قائل : كيف الجمع بين هذه الآي ، وكيف يقبض ملك الموت في زمن واحد أرواح من يموت بالمشرق والمغرب ؟ قيل له : اعلم أن التوفي مأخوذ من : توفيت الدين واستوفيته ، إذا قبضته ، ولم يدع منه شيئا ، فتارة يضاف إلى ملك الموت لمباشرته ذلك ، وتارة إلى أعوانه من الملائكة ، لأنهم قد يتولون ذلك أيضا ، وتارة إلى اللّه تعالى وهو المتوفّى على الحقيقة كما قال عزّ وجلّ : اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها [ الزمر : 42 ] وقال : وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ [ الحج : 66 ] وقال : الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ [ الملك : 2 ] . فكل مأمور من الملائكة ، فإنما يفعل ما يفعل بأمره . وقال الكلبي : يقبض ملك الموت الروح من الجسد ، ثم يسلمها إلى ملائكة الرحمة إن كان مؤمنا ، وإلى ملائكة العذاب إن كان كافرا . وهذا المعنى منصوص في حديث البراء ، وسيأتي إن شاء اللّه تعالى . وفي الخبر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن ملك الموت ليهيب بالأرواح ، كما يهيب أحدكم بفلوّه أو فصيله ألا هلمّ ألا هلمّ » . يهيب : يدعو . يقال : أهاب الرجل بغنمه أي صاح بها لتقف أو لترجع ، وأهاب بالبعير . قال طرفة يصف ناقته : تريع إلى صوت المهيب وتتقي * بذي خصل روعات أكلب ملبد تريع : معناه : تعود وترجع . وقال الشاعر : طمعت بليلى إذ تريع وإنما * تقطع أرقاب الرجال المطامع والخصل : أطراف الشجر المتدلية ، والروعات : جمع روعة وهي الفزعة ،
--> ( 1 ) أخرجه مسلم ( 1763 ) .