القرطبي
79
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
أخرجي أيتها النفس الخبيثة من الجسد الخبيث ، فإذا له صراخ أعظم ما يكون كصراخ الحمير ، فإذا قبضها عزرائيل « 1 » ناولها زبانية قباح الوجوه ، سود الثياب منتني الرائحة ، بأيديهم مسوح من شعر ، فيلفونها فيستحيل شخصا إنسانيّا على قدر الجرادة ، فإن الكافر أعظم جرما من المؤمن يعني في الجسم في الآخرة . وفي الصحيح : « أن ضرس الكافر في النار ، مثل أحد » « 2 » . فيعرج به حتى ينتهي إلى سماء الدنيا ، فيقرع الأمين الباب ، فيقال : من أنت ؟ فيقول أنا دقيائيل لأن اسم الملك الموكل على زبانية العذاب دقيائيل « 3 » ، فيقال : من معك ؟ فيقول : فلان ابن فلان ، بأقبح أسمائه وأبغضها إليه في دار الدنيا ، فيقال : لا أهلا ولا سهلا ، ولا مرحبا ، لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ [ الأعراف : 40 ] . فإذا سمع الأمين هذه المقالة ، طرحه من يده ، أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ أي : بعيد ، وهو قوله عزّ وجلّ : وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ [ الحج : 31 ] ، فإذا انتهى إلى الأرض ابتدرته الزبانية ، وسارت به إلى سجين ، وهي صخرة عظيمة تأوي إليها أرواح الفجار . وأما النصارى واليهود ، فمردودون من الكرسي إلى قبورهم ، هذا من كان منهم على شريعته ، ويشاهد غسله ودفنه . وأما المشرك فلا يشاهد شيئا من ذلك ، لأنه قد هوي به . وأما المنافق فمثل الثاني يرد ممقوتا مطرودا إلى حفرته . وأما المقصرون المؤمنون فتختلف أنواعهم ، فمنهم ترده صلاته ، لأن العبد إذا قصّر في صلاته كان سارقا لها . فتلف كما يلف الثوب الخلق ، ويضرب بها وجهه . ثم تعرج وتقول : ضيعك اللّه كما ضيعتني ، ومنهم من تردّه زكاته لأنه إنما يزكي ليقال : فلان متصدق ، وربما وضعها عند النساء ، ولقد رأيناه عافانا اللّه مما حل به ، ومن الناس من يرده صومه ، لأنه صام عن الطعام ولم يصم عن الكلام ، فهو رفث وخسران ، فيخرج الشهر وقد بهرجه ، ومن الناس من يرده حجّه ، لأنه إنما حج ليقال فلان حج ، أو يكون حج بمال خبيث ، ومن الناس من يرده العقوق ، وسائر أحوال البر كلها لا يعرفها إلا العلماء بأسرار المعاملات ، وتخليص العمل الذي للملك الوهاب ، فكل هذه المعاني
--> ( 1 ) هذا اللفظ يطلقه البعض على ملك الموت ، وهو لفظ محدث لا أصل له ، ولا يصح تسمية ملك الموت بهذا الاسم . انظر « معجم المناهي اللفظية » للعلّامة بكر بن عبد اللّه أبو زيد ص 390 . ( 2 ) « صحيح مسلم » ( 2851 ) . ( 3 ) لم يرد هذا في حديث صحيح ، واللّه أعلم .