القرطبي
77
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
يزال يمر بالأمم السالفة والقرون الخالية كأمثال الجراد المنتشر ، حتى ينتهي إلى سماء الدنيا ، فيقرع الأمين الباب فيقال للأمين : من أنت ؟ فيقول : أنا صلصائيل ، وهذا فلان معي بأحسن أسمائه وأحبها إليه ، فيقول : نعم الرجل كان فلان ، وكانت عقيدته غير شاك . ثم ينتهي به إلى السماء الثانية ، فيقرع الباب . فيقال له : من أنت ؟ فيقول مقالته الأولى فيقولون : أهلا وسهلا بفلان ، كان محافظا على صلاته بجميع فرائضها ، ثم يمر حتى ينتهي إلى السماء الثالثة ، فيقرع الباب ، فيقال له : من أنت ؟ فيقول الأمين مقالته الأولى والثانية ، فيقال : مرحبا بفلان ، كان يراعي اللّه في حق ماله ، ولا يتمسك منه بشيء ثم يمر حتى ينتهي إلى السماء الرابعة ، فيقرع الباب ، فيقال : من أنت ؟ فيقول كدأبه في مقالته ، فيقال : أهلا بفلان ، كان يصوم فيحسن الصوم ، ويحفظه من أدران الرفث وحرام الطعام ، ثم ينتهي إلى السماء الخامسة فيقرع الباب ، فيقال : من أنت ؟ فيقول كعادته . فيقال : أهلا وسهلا بفلان ، أدى حجّة اللّه الواجبة من غير سمعة ولا رياء ، ثم ينتهي إلى السماء السادسة فيقرع الباب ، فيقال : من أنت ؟ فيقول الأمين كدأبه في مقالته . فيقال : مرحبا بالرجل الصالح ، والنفس الطيبة ، كان كثير البر بوالديه ، فيفتح له الباب . ثم يمر حتى ينتهي إلى السماء السابعة فيقرع الباب ، فيقال : من أنت ؟ فيقول الأمين مقالته . فيقال : مرحبا بفلان ، كان كثير الاستغفار بالأسحار ، ويتصدق في السر ويكفل الأيتام ، ثم يفتح له ، فيمر حتى ينتهي إلى سرادقات الجلال ، فيقرع الباب فيقال له : من أنت ؟ فيقول الأمين مثل قوله ، فيقول : أهلا وسهلا بالعبد الصالح والنفس الطيبة ، كان كثير الاستغفار ، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، ويكرم المساكين . ويمر بملإ من الملائكة كلهم يبشرونه بالخير ويصافحونه ، حتى ينتهي إلى سدرة المنتهى فيقرع الباب ، فيقال : من أنت ؟ فيقول الأمين كدأبه في مقالته ، فيقال : أهلا وسهلا بفلان ، كان عمله عملا صالحا خالصا لوجه اللّه عزّ وجلّ ، ثم يفتح له فيمر في بحر من نار ، ثم يمر في بحر من نور ، ثم يمر في بحر من ظلمة ، ثم يمر في بحر من ماء ، ثم يمر به في بحر من ثلج ثم يمر به في بحر من برد ، طول كل بحر منها ألف عام ، ثم يخترق الحجب المضروبة على عرش الرحمن ، وهي ثمانون ألفا من السرادقات ، لها شراريف لكل سرادق ثمانون ألف شرافة ، على كل شرافة ثمانون ألف قمر ، يهللون للّه ويسبحونه ويقدسونه ، لو برز منها قمر واحد إلى السماء الدنيا ، لعبد من دون اللّه ولأحرقها نورا ، فحينئذ ينادي من الحضرة القدسية من وراء أولئك السرادقات : من هذه النفس التي جئتم بها ؟ فيقال : فلان ابن فلان ، فيقول الجليل جل جلاله : قربوه فنعم العبد كنت يا