القرطبي

76

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

فقد ورد في الخبر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن الملك يتباعد عن الرجل عند الكذبة يكذبها ميلين من نتن ما جاء به » « 1 » . وكذلك كل معصية للّه تؤذي الملك الموكل به . فيجوز أن يموت العبد وهو مصر على معاصي اللّه غير تائب منها ولا مكفر عنه خطاياه ، فيكون تمحيصه وتطهيره فيما يلحقه من الأذى من تغليظ الملك إياه أو تقريعه له ، واللّه سبحانه وتعالى أعلم . 20 باب في شأن الروح وأين تصير حين تخرج من الجسد ؟ قال أبو الحسن القابسي رحمه اللّه : الصحيح من المذهب ، والذي عليه أهل السنة ، أنها ترفعها الملائكة حتى توقفها بين يدي اللّه تعالى فيسألها « 2 » ، فإن كانت من أهل السعادة قال لهم : سيروا بها وأروها مقعدها من الجنة . فيسيرون بها في الجنة على قدر ما يغسل الميت ، فإذا غسل الميت وكفن ؛ ردت وأدرجت بين كفنه وجسده ، فإذا حمل على النعش فإنه يسمع كلام الناس ، من تكلم بخير ومن تكلم بشر ، فإذا وصل إلى قبره وصلّى عليه ، ردت فيه الروح وأقعد ذا روح وجسد ، ودخل عليه الملكان الفتانان على ما يأتي . وعن عمرو بن دينار قال : ما من ميت يموت إلا روحه في يد ملك ، ينظر إلى جسده كيف يغسل ، وكيف يكفن ، وكيف يمشى به فيجلس في قبره . قال داود : وزاد في هذا الحديث ، قال : يقال له وهو على سريره : اسمع ثناء الناس عليك . ذكره أبو نعيم الحافظ في باب عمرو . وقال أبو حامد في كتاب « كشف علوم الآخرة » : فإذا قبض الملك النفس السعيدة ، تناولها ملكان حسان الوجوه ، عليهما أثواب حسنة ، ولهما رائحة طيبة ، فيلفونها في حرير من حرير الجنة ، وهي على قدر النحلة ، شخص إنساني ما فقد من عقله ولا من علمه المكتسب له في دار الدنيا ، فيعرجون بها في الهواء ، فلا

--> ( 1 ) أخرجه الطبراني في « المعجم الصغير » ( 2 / 30 - 31 ) بسند ضعيف . ( 2 ) وفي هذا دليل على أن اللّه سبحانه وتعالى مستو على عرشه ، فوق خلقه ، فإلى أين ترفع الملائكة الروح وتصعد بها ؟ أليس إلى باريها وفاطرها ؟ فسبحان الذي قال : فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها .