القرطبي
68
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
وأما الكبائر فلا يكفّرها إلا التوبة منها والإقلاع عنها ، كما بيّنا ، وقد اختلف في تعيينها ، ليس هذا موضع ذكرها ، وسيأتي في القصاص ، وفي أبواب النار جملة منها ، إن شاء اللّه تعالى واللّه أعلم بالصواب . 18 باب لا تخرج روح عبد مؤمن أو كافر حتى يبشّر وأنه يصعد بها ( ابن المبارك ) قال : أخبرنا حياة قال : أخبرني أبو صخر ، عن محمد بن كعب القرظي قال : إذا استنقعت نفس العبد المؤمن جاءه ملك الموت فقال : السلام عليك يا وليّ اللّه ، اللّه يقرئك السلام ثم نزع بهذه الآية : الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ « 1 » [ النحل : 32 ] . وقال ابن مسعود : إذا جاء ملك الموت ليقبض روح المؤمن قال : ربك يقرئك السلام . وعن البراء بن عازب في قوله تعالى : تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ [ الأحزاب : 44 ] فيسلم ملك الموت على المؤمن عند قبض روحه ، لا يقبض روحه حتى يسلم عليه . وقال مجاهد : إن المؤمن ليبشر بصلاح ولده من بعده لتقر عينه . ( ابن ماجة ) عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « تحضر الملائكة فإذا كان الرجل صالحا قالوا : أخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب ، أخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان وربّ راض غير غضبان ، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج ، ثم يعرج بها إلى السماء ، فيفتح لها فيقال : من هذا ؟ فيقولون : فلان بن فلان فيقال : مرحبا بالنفس الطيبة ، كانت في الجسد الطيب ، أدخلي حميدة ، وأبشري بروح وريحان وربّ راض غير غضبان ، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تنتهي إلى السماء التي فيها اللّه تعالى « 2 » ،
--> ( 1 ) الأثر أخرجه ابن المبارك في « الزهد » رقم ( 442 ) والبيهقي في « شعب الإيمان » ( 1 / 361 / 402 ) . ( 2 ) قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم : « التي فيها اللّه تعالى . . . » ؛ أي عليها ، فإن « في » تأتي بمعنى على ، كما في قوله تعالى : قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ أي : على الأرض . وفي هذا الحديث دليل على أن اللّه تعالى فوق سماواته بائن من خلقه ، كما هي عقيدة المسلمين أهل التوحيد ، كما قال ربنا جل وعلا : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى . بعكس ما يبثّه أهل البدع ومن أشربت قلوبهم بعلم الكلام والفلسفة بأن اللّه تعالى ليس له مكان ؛ فهو موجود بلا مكان ! ! تعالى اللّه عن قولهم علوا كبيرا .