القرطبي
59
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
وقيل : كمال العقل الذي نعرف به حقائق الأمور ، ويفصل به بين الحسنات والسيئات ، فالعاقل يعمل لآخرته ، ويرغب فيما عند ربه ، فهو نذير ، والنذير بمعنى الإنذار والإنذار والإعذار قريب بعضه من بعض ، وأكبر الإعذار إلى ابن آدم ؛ بعثة الرسل إليهم ، ثم الشيب أو غيره كما بيّنّا . وجعل الستين غاية الإعذار لأن الستين قريب من معترك المنايا ، وهو سن الإنابة والخشوع والاستسلام للّه ، وترقب المنية ولقاء اللّه ، ففيه إعذار بعد إعذار ، وإنذار بعد إنذار . الأول : بالنبي صلى اللّه عليه وسلم . والثاني : بالشيب ، وذلك عند كمال الأربعين ، قال اللّه تعالى : وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ [ الأحقاف : 15 ] فذكر عزّ وجلّ : أن من بلغ الأربعين فقد آن له أن يعلم مقدار نعم اللّه عليه وعلى والديه ويشكرها . قال مالك رحمه اللّه : أدركت أهل العلم ببلدنا وهم يطلبون الدنيا ، ويخالطون الناس ، حتى يأتي لأحدهم أربعون سنة ، فإذا أتت عليهم اعتزلوا الناس . تنبيه : هذا الباب هو الأصل في إعذار الحكام إلى المحكوم عليه مرة بعد أخرى ، وكان هذا لطفا بالخلف ولتنفيذ القيام عليهم بالحق . حكي عن بعض العلماء أنه كان يميل إلى الراحات كثيرا ، وكان يخلو في بستان له بأصحابه ، فلا يأذن لأحد سواهم ، فبينما هو في البستان ؛ إذ رأى رجلا يتخلل الشجر فغضب وقال : من أذن لهذا ؟ وجاء الرجل فجلس أمامه وقال : ما ترى في رجل ثبت عليه حق فزعم أن له مدافعة عنه ؟ فقال : ينظره الحاكم بقدر ما يرى ، قال السائل : قد ضرب له الحاكم أجلا فلم يأت بمنفعة ولا أقلع عن اللدد والمدافعة ، قال : يقضي عليه . قال : فإن الحاكم رفق به وأمهله أكثر من خمسين سنة . فأطرق الفقيه وتحدّر عرق وجهه ، وذهب السائل . ثم إن العالم أفاق من فكرته ، فسأل عن السائل ، فقال البواب : ما دخل أحد عليكم ولا خرج من عندكم أحد ، فقال لأصحابه : انصرفوا ، فما كان يرى بعد ذلك إلا في مجلس يذكر فيه العلم . فصل وقد رأيت أن أصل بهذه الحكاية حكايات في الشيب على سبيل الوعظ والتذكير والتخويف والتحذير . حكي عن بعض المترفين أنه رفض ما كان فيه بغتة على غير تدريج ، فسئل عن السبب ، فقال ما معناه : كانت لي أمة لا يزيدني طول الاستمتاع منها إلا غراما بها ، فقلبت شعرها يوما فإذا فيه شعرتان بيضاوان ، فأخبرتها فارتاعت وقالت :