القرطبي

39

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

فصل إذا ثبت ما ذكرناه ؛ فاعلم أن الموت هو الخطب الأفظع ، والأمر الأشنع والكأس التي طعمها أكره وأبشع ، وأنه الحادث الأهذم للذّات ، والأقطع للراحات ، والأجلب للكريهات ، فإن أمرا يقطع أوصالك ، ويفرق أعضاءك ، ويهدم أركانك ، لهو الأمر العظيم ، والخطب الجسيم ، وإن يومه لهو اليوم العظيم . ( ويحكى ) أن الرشيد لما اشتدّ مرضه أحضر طبيبا طوسيّا فارسيّا ، وأمر أن يعرض عليه ماؤه - أي بوله - مع مياه كثيرة لمرضى وأصحّاء ، فجعل يستعرض القوارير حتى رأى قارورة الرشيد ، فقال : قولوا لصاحب هذا الماء يوصي ، فإنه قد انحلّت قواه ، وتداعت بنيته ، ولما استعرض باقي المياه أقيم فذهب ، فيئس الرشيد من نفسه ( وأنشد ) : إن الطبيب بطبّه ودوائه * لا يستطيع دفاع نحب قد أتى ما للطبيب يموت بالداء الذي * قد كان أبرأ مثله فيما مضى مات المداوي والمداوى والذي * جلب الدواء أو باعه ومن اشترى ( وبلغه ) أن الناس أرجفوا بموته ، فاستدعى حمارا وأمر أن يحمل عليه فاسترخت فخذاه . فقال : أنزلوني صدق المرجفون ، ودعا بأكفان فتخيّر منها ما أعجبه ، وأمر فشق له قبر أمام فراشه ثم اطلع فيه فقال : ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ [ الحاقة : 28 ، 29 ] . فمات من ليلته . فما ظنك - رحمك اللّه - بنازل ينزل بك فيذهب رونقك وبهاك ويغيّر منظرك ورؤياك ، ويمحو صورتك وجمالك ، ويمنع من اجتماعك واتصالك ، ويردك بعد النعمة والنضرة ، والسطوة والقدرة ، والنخوة والعزة ، إلى حالة يبادر فيها أحب الناس إليك ، وأرحمهم بك ، وأعطفهم عليك ، فيقذفك في حفرة من الأرض قريبة أنحاؤها ، مظلمة أرجاؤها ، محكم عليك حجرها وصيدانها ، فتحكم فيك هوامها وديدانها ، ثم بعد ذلك تمكن منك الأعدام وتختلط بالرغام ، وتصير ترابا توطأ بالأقدام ، وربما ضرب منك إناء فخار ، أو أحكم بك بناء جدار ، أو طلي بك حش ماء ، أو موقد نار . كما روي عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه أنه أتي بإناء ماء ليشرب منه فأخذه بيده ونظر إليه وقال : « اللّه أعلم كم فيك من عين كحيل ، وخد أسيل » . ( ويحكى ) أن رجلين تنازعا وتخاصما في أرض ، فأنطق اللّه عزّ وجلّ لبنة من