القرطبي
38
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
أصناف الملائكة والجن ، وأهل الجبروت هم المصطفون من الملائكة ، قال اللّه تعالى : اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ [ الحج : 75 ] فهم كروبيون وحملة العرش وأصحاب سرادقات الجلال ، كما وصفهم اللّه في كتابه وأثنى عليهم ، حيث يقول : وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ [ الأنبياء : 19 ، 20 ] وهم أهل حضرة القدس المعنيون بقوله تعالى : لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ [ الأنبياء : 17 ] . وهم يموتون على هذه المكانة من اللّه تعالى والقربة ، وليس زلفاهم بمانع لهم من الموت . قال ابن قيس : وكما تفرقت الطرق بهذه العوالم ، كذلك تفرّقت طرق الإحساسات في اجتراع الغصص والمرارات ، فإحساس روحاني للروحانيات ، كما يجده النائم في سنته ، أو الغصة الوجيعة تغصه في نومته ، فيغص منها في حال رقدته ، ويتململ ذلك إلى حين يقظته ، حتى إذا استيقظ لم يجده شيئا ووجد الأنس عنده فأزال ألمه ، ووافاه أمانه ونعمه ، وإحساس علوي قدسي ؛ كما يجده الوسنان من الروحانية ، وهو ما لا يدركه العقل البشري إلا توهّما ، ولا يبلغه التحصيل إلا تخيّلا وتوسّما ، وإحساس بشري سفلي إنسي وجني ، وهو ما لا يكاد أن توصف شدائده وغصصه ، فكيف وقد قالوا بالغصة الواحدة منه كألف ضربة بالسيف ، فما عسى أن ينعت ويوصف وهذا الذي لا يمكن أن يعرف ؟ والخلق أيضا في هذا الإحساس فرق ، يختلفون باختلاف المنازل والطرق ، فالفرقة الإسلامية في نفسها لا تجد منه ما تجد غير الإسلامية ، ثم الإسلامية نفسها لا تجد منه النبوية كما تجد التبعية . ثم النبوية في ذاتها ومقامات إحساساتها تختلف على حكم الكلمة ، وصدق القيل ، باختلاف التقديم والتفضيل ، قال اللّه تعالى : تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ [ البقرة : 253 ] . وقد نبّهت الخلّة الذاتية عزّت سبحاتها ، وتقدّست صفاتها ، على خفة ذلك عن إبراهيم وأشارت إلى تهوين الأمر عليه ، وتبيين ما خفف عنه ، صلوات اللّه وسلامه عليه ، فقال : « أما إنا قد هونا عليكم يا إبراهيم » « 1 » . وما وصفه الحق جلّ جلاله بالهون فلا أهون منه ، كما ما كبره وعظمه فلا أكبر ولا أعظم منه ، ولا فرق بين أن قال : موتا هينا ، وملكا عظيما كبيرا ، وقال في نعيم الجنة : وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً [ الإنسان : 20 ] ، فكما أنه لا أكبر من ملك الجنة ، كذلك لا أهون من موت الخلّة ، واللّه أعلم .
--> ( 1 ) تقدّم أن الخبر موضوع لا يصح .