القرطبي

36

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

« الصحاح » : العلبة محلب من جلد ، والجمع علب وعلاب ، والمعلب الذي يتخذها . قال الكميت يصف خيلا : سقينا دماء القوم طورا ، وتارة * صبوحا لإقتار الجلود المعلّب « 1 » وقيل : أسفله جلد ، وأعلاه خشب مدوّر مثل إطار الغربال ، وهو الدائر به ، وقيل : هو عس يحلب فيه . والعس : القدح الضخم . وقال اللغوي أبو هلال الحسن بن عبد اللّه بن سهل العسكري في كتاب « التلخيص » له : والعلبة ؛ قدح للأعراب مثل العس والعس ، يتخذ من جنب جلد البعير والجمع علاب . وقوله : « إن للموت سكرات » أي : شدائد ، وسكرة الموت شدّته . فصل قال علماؤنا رحمة اللّه عليهم : فإذا كان هذا الأمر قد أصاب الأنبياء والمرسلين « 2 » ، والأولياء والمتقين ، فما لنا عن ذكره مشغولين ؟ وعن الاستعداد ، له متخلّفين ؟ قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ [ الصافات : 67 ، 68 ] . قالوا : وما جرى على الأنبياء - صلوات اللّه عليهم أجمعين - من شدائد الموت وسكراته ، فله فائدتان : إحداهما : أن يعرف الخلق مقدار ألم الموت وأنه باطن ، وقد يطّلع الإنسان على بعض الموتى ، فلا يرى عليه حركة ولا قلقا ، ويرى سهولة خروج روحه ، فيغلب على ظنه سهولة أمر الموت ، ولا يعرف ما الميت فيه ، فلما ذكر الأنبياء الصادقون في خبرهم شدة ألمه ، مع كرامتهم على اللّه تعالى ، وتهوينه على بعضهم ، قطع الخلق بشدة الموت الذي يعانيه ويقاسيه الميت مطلقا ، لإخبار الصادقين عنه ، ما خلا الشهيد - قتيل الكفار - على ما يأتي ذكره .

--> ( 1 ) في « لسان العرب » ( 9 / 347 ) : سقتنا دماء القوم طورا وتارة * صبوحا له أقتار الجلود المعلّب ( 2 ) الفرق بين النبي والرسول : أن الرسول لغة : هو المبعوث لإبلاغ الشيء . وفي الشرع : من أوحى اللّه إليه من البشر بشرع وأمر بتبليغه . وأول الرسل نوح ، وآخرهم محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم . أما النبي : فهو من أوحى اللّه إليه من البشر بتبليغ أو تقرير شريعة من كان قبله ، ولم يبعث هو بشرع جديد . وقيل : إن النبي هو من أوحى اللّه إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه . وعلى هذا فكل رسول نبي ، وليس كل نبي رسول . انظر : كتاب « النبوات » ص 172 - 173 و « حاشية ثلاثة الأصول » للعلامة عبد الرحمن القاسم ص 78 . و « شرح ثلاثة الأصول » للعلامة محمد بن صالح العثيمين ص 97 ، 122 . و « معجم ألفاظ العقيدة » ص 193 .