القرطبي

33

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

وعن شهر بن حوشب قال : سئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن الموت وشدته ؟ فقال : « إن أهون الموت بمنزلة حسكة كانت في صوف ، فهل تخرج الحسكة من الصوف إلّا ومعها صوف » « 1 » قال شهر : ولما حضرت عمرو بن العاص الوفاة ، قال له ابنه : يا أبتاه ! إنك لتقول لنا : ليتني كنت ألقى رجلا عاقلا لبيبا عند نزول الموت حتى يصف لي ما يجد ، وأنت ذلك الرجل فصف لي الموت ، فقال : يا بني واللّه كأن جنبي في تخت ، وكأني أتنفّس من سمّ إبرة ، وكأن غصن شوك يجذب من قدمي إلى هامتي . ثم أنشأ يقول : ليتني كنت قبل ما قد بدا لي * في تلال الجبال أرعى الوعولا وعن أبي ميسرة رفعه قال : « لو أن ألم شعرة من الميت وضع على أهل السماء والأرض لماتوا جميعا » « 2 » وأنشدوا : أذكر الموت ولا أرهبه * إنّ قلبي لغليظ كالحجر أطلب الدنيا كأني خالد * وورائي الموت يقفو بالأثر وكفى بالموت فاعلم واعظا * لمن الموت عليه قد قدر والمنايا حوله ترصده * ليس ينجي المرء منهنّ المفر وقال آخر : بينا الفتى مرح الخطا فرح بما * يسعى له إذ قيل قد مرض الفتى إذا قيل : مات بليلة ما نامها * إذ قيل : أصبح مثخنا ما يرتجى إذ قيل : أصبح شاخصا وموجها * ومعلّلا إذ قيل : أصبح قد قضى فصل أيها الناس : قد آن للنائم أن يستيقظ من نومه ، وحان للغافل أن يتنبه من غفلته ، قبل هجوم الموت بمرارة كأسه ، وقبل سكون حركاته ، وخمود أنفاسه ، ورحلته إلى قبره ، ومقامه بين أرماسه . وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى أناس من أصحابه يوصيهم فكان فيما أوصاهم به أن كتب إليهم :

--> ( 1 ) انظر « ضعيف الجامع » رقم ( 1842 ) . ( 2 ) عزاه الحافظ العراقي في « المغني عن حمل الأسفار » ( 2 / 1210 / 4384 ) لابن أبي الدنيا في « الموت » ، وقال : « وأبو ميسرة هو : عمرو بن شرحبيل ، والحديث مرسل ، حسن الإسناد » .