القرطبي
31
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
8 باب ما جاء أن للموت سكرات وفي تسليم الأعضاء بعضها على بعض وفيما يصير الإنسان إليه وصف اللّه سبحانه وتعالى شدة الموت في أربع آيات : الأولى : قوله الحق : وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ [ ق : 19 ] . والثانية : قوله تعالى : وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ [ الأنعام : 93 ] . الثالثة : قوله تعالى : فَلَوْ لا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ [ الواقعة : 83 ] . الرابعة : كَلَّا إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ [ القيامة : 26 ] . روى البخاري عن عائشة رضي اللّه عنها : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم كانت بين يديه ركوة أو علبة فيها ماء ، فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه ويقول : « لا إله إلا اللّه إن للموت سكرات » ، ثم نصب يديه ، فجعل يقول : « في الرفيق الأعلى » حتى قبض ومالت يده « 1 » . وخرّج الترمذي عنها قالت : « ما أغبط أحدا بهون موت ، بعد الذي رأيت من شدة موت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم » « 2 » . وفي البخاري عنها قالت : « مات رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم وإنه لبين حاقنتي وذاقنتي ، فلا أكره شدّة الموت لأحد أبدا بعد النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم » « 3 » . الحاقنة : العظمان بين الترقوة والحلق ، والذاقنة : نقرة الذقن . وقال الخطابي : الذاقنة : ما تناله الذقن من الصدر . وذكر أبو بكر بن أبي شيبة في « مسنده » عن جابر بن عبد اللّه عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم قال : « تحدثوا عن بني إسرائيل ، فإنه كانت فيهم أعاجيب » ثم أنشأ يحدثنا قال : « خرجت طائفة منهم فأتوا على مقبرة من مقابرهم فقالوا لو صلّينا ركعتين ، ودعونا اللّه يخرج لنا بعض الأموات ، يخبرنا عن الموت ، قال : ففعلوا . فبينما هم كذلك إذ طلع رجل رأسه بيضاء ، أسود اللون خلا شيء ، بين عينيه أثر السجود ، فقال : يا هؤلاء ما أردتم إليّ ؟ لقد متّ منذ مائة سنة فما سكنت عني حرارة الموت حتى الآن ، فادعوا اللّه أن يعيدني كما كنت » « 4 » .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 890 ، 1389 ، 3100 ، 3774 ، 4438 ، 4446 ، 4449 ، 4450 ، 4451 ) . ( 2 ) أخرجه الترمذي ( 979 ) بسند ضعيف كما في « المشكاة » ( 1563 ) . ( 3 ) أخرجه البخاري بهذا اللفظ برقم ( 4446 ) . ( 4 ) أخرجه تمام في « الفوائد » ( 1 / 99 - 100 / 229 ) بإسناد فيه مجهول .