القرطبي
19
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
وزهّده فيما كان منها يؤمل ، ولكن النفوس الراكدة ، والقلوب الغافلة تحتاج إلى تطويل الوعّاظ ، وتزويق الألفاظ ، وإلا ففي قوله عليه الصلاة والسلام : « أكثروا ذكر هاذم اللذات » مع قوله تعالى : كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ [ آل عمران : 185 ] ما يكفي السامع له ، ويشغل الناظر فيه . وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كثيرا ما يتمثّل بهذه الأبيات : لا شيء مما ترى تبقى بشاشته * يبقى الإله ويؤدي المال والولد لم تغن عن هرمز يوما خزائنه * والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا ولا سليمان إذ تجري الرياح له * والإنس والجن فيما بينها ترد أين الملوك التي كانت لعزّتها * من كلّ أوب إليها وافد يفد ؟ حوض هنالك مورود بلا كذب * لا بدّ من ورده يوما كما وردوا فصل إذا ثبت ما ذكرناه ؛ فاعلم أن ذكر الموت يورث استشعار الانزعاج عن هذه الدار الفانية ، والتوجّه في كل لحظة إلى الدار الآخرة الباقية ؛ ثم إن الإنسان لا ينفك عن حالتي ضيق وسعة ، ونعمة ومحنة ، فإن كان في حال ضيق ومحنة ، فذكر الموت يسهل عليه بعض ما هو فيه ، فإنه لا يدوم ، والموت أصعب منه ، أو في حال نعمة وسعة فذكر الموت يمنعه من الاغترار بها ، والسكون إليها ، لقطعه عنها . ولقد أحسن من قال : اذكر الموت هاذم اللذات * وتجهّز لمصرع سوف يأتي وقال غيره : واذكر الموت تجد راحة * في ادكار الموت تقصير الأمل وأجمعت الأمة على أن الموت ليس له سن معلومة ، ولا زمن معلوم ، ولا مرض معلوم . وذلك ليكون المرء على أهبة من ذلك ، مستعدّا لذلك . وكان بعض الصالحين ينادي بليل على سور المدينة : الرحيل ، الرحيل . فلما توفّي فقد صوته أمير المدينة فسأل عنه ، فقيل : إنه قد مات ، فقال : ما زال يلهج بالرحيل وذكره * حتى أناخ ببابه الجمّال فأصابه متيقظا متشمرا * ذا أهبة لم تلهه الآمال وكان يزيد الرّقاشي يقول لنفسه : ويحك يا يزيد ، من ذا يصلي عنك بعد الموت ؟ من ذا يصوم عنك بعد الموت ؟ من ذا يترضّى عنك ربك بعد الموت ؟ ثم يقول : أيها الناس ألا تبكون وتنوحون على أنفسكم باقي حياتكم ؟ من الموت موعده ، والقبر بيته ، والتراب فراشه ، والدود أنيسه ، وهو مع هذا ينتظر الفزع