القرطبي

178

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

وعقابه بكرمه ورحمته . وجاء في التنزيل في حق الكافرين : النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا [ غافر : 46 ] فأخبر تعالى أن الكافرين يعرضون على النار ، كما أن أهل السعادة يعرضون على الجنان ، بالخبر الصحيح في ذلك ، وهل كل مؤمن يعرض على الجنان ؟ فقيل : ذلك مخصوص بالمؤمن الكامل الإيمان ، ومن أراد اللّه إنجاءه من النار ، وأما من أنفذ اللّه عليه وعيده من المخلصين الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ، فله مقعدان يراهما جميعا ، كما أنه يرى عمله شخصين في وقتين أو في وقت واحد قبيحا وحسنا ، وقد يحتمل أن يراد بأهل الجنة ؛ كل من يدخلها ، كيفما كان ، واللّه أعلم . ثم قيل : هذا العرض إنما هو على الروح وحده ، ويجوز أن يكون مع جزء من البدن ، ويجوز أن يكون عليه مع جميع الجسد ، فيرد إليه الروح ، كما ترد عند المسألة حين يقعده الملكان ، ويقال له : « انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك اللّه به مقعدا من الجنة » وكيفما كان ، فإن العذاب محسوس ، والألم موجود ، والأمر شديد ، وقد ضرب بعض العلماء لتعذيب الروح مثلا في النائم فإنه روحه تعذّب أو تنعم والجسد لا يحسّ بشيء من ذلك . وقال عبد اللّه بن مسعود : « أرواح آل فرعون في أجواف طير سود ، يعرضون على النار كل يوم مرتين ، يقال لهم : هذه داركم » ، فذلك قوله تعالى : النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وعنه أيضا : « أن أرواحهم في جوف طير سود ، تغدو على جهنم وتروح كل يوم مرتين ، فذلك عرضها » وروى شعبة عن يعلى بن عطاء قال : سمعت ميمون بن ميسرة يقول : كان أبو هريرة إذا أصبح ينادي : « أصبحنا والحمد للّه ، وعرض آل فرعون على النار » وإذا أمسى ينادي : « أمسينا والحمد للّه ، وعرض آل فرعون على النار » فلا يسمع أبا هريرة أحد إلا تعوّذ باللّه من النار . وقد قيل : إن أرواحهم في صخرة سوداء تحت الأرض السابعة ، على شفير جهنم ، في حواصل طير سود . والغداة والعشي إنما هو بالنسبة إلينا على ما اعتدناه ، لا لهم ، إذ الآخرة ليس فيها مساء ولا صباح ، فإن قيل فقد قال اللّه تعالى : وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا [ مريم : 62 ] قلنا : الجواب عنهما واحد ، وسيأتي له مزيد بيان في وصف الجنان - إن شاء اللّه تعالى . * * *