القرطبي

162

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

قال : أصاب سعد بن معاذ جراحة ، فجعله النبي صلى اللّه عليه وسلم عند امرأة تداويه ، فقال : إنه مات من الليلة ، فأتاه جبريل فأخبره ، « لقد مات الليلة فيكم رجل ، لقد اهتز العرش لحب لقاء اللّه إياه » فإذا هو سعد بن معاذ ، قال : فدخل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في قبره فجعل يكبر ويهلّل ويسبّح ، فلما خرج قيل له : يا رسول اللّه ! ما رأيناك صنعت هكذا قط : قال : « إنه ضم في القبر ضمة حتى صار مثل الشعرة ، فدعوت اللّه تعالى أن يرفه عنه ، وذلك أنه كان لا يستبرئ من البول » « 1 » . وقال السالمي أبو محمد عبد الغالب في كتابه : وأما الأخبار في عذاب القبر فبالغة مبلغ الاستفاضة ، منها قوله صلى اللّه عليه وسلم في سعد بن معاذ : « لقد ضغطته الأرض ضغطة اختلفت لها ضلوعه » . قال أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ورضي عنهم : فلم ننقم من أمره شيئا ، إلا أنه كان لا يستنزه في أسفاره من البول . قلت فقوله صلى اللّه عليه وسلم : « ثم فرج عنه » دليل على أنه جوزي على ذلك التقصير منه ، لا أنه يعذّب بعد ذلك في قبره ، هذا لا يقوله أحد إلا شاك مرتاب في فضله وفضيلته ، ونصحه ونصيحته ، رضي اللّه عنه ، أترى من اهتز له عرش الرحمن ، وتلقّت روحه الملائكة الكرام ، فرحين بقدومها عليهم ، ومستبشرين بوصولها إليهم ، يعذب في قبره بعد ما فرج عنه ؟ هيهات هيهات ؛ لا يظن ذلك إلّا جاهل بحقه ، غبي بفضيلته وفضله ، رضي اللّه عنه وأرضاه ، وكيف يظنّ ذلك وفضائله شهيرة ، ومناقبه كثيرة ؟ خرجها البخاري ومسلم وغيرهما . وهو الذي أصاب حكم الرحمن في بني قريظة من فوق سبع سماوات ، أخبر بذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في البخاري ومسلم وغيرهما . باب منه ( البيهقي ) عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في هذه الآية : سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [ الإسراء : 1 ] الآية . قال : أتي بفرس فحمل عليه ، قال : كل خطوة منتهى أقصى بصره ، فسار وسار معه جبريل فأتى على قوم يزرعون في يوم ، ويحصدون في يوم ، كلما حصدوا عاد كما كان ، فقال : يا جبريل ! من هؤلاء ؟ فقال : المهاجرون في سبيل اللّه تضاعف لهم الحسنة بسبعمائة ضعف ؛ وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [ سبأ : 39 ] ، ثم أتى على قوم ترضخ رؤوسهم بالصخر ، كلما

--> ( 1 ) أخرج نحوه من حديث جابر ؛ أحمد ( 3 / 360 ) والطبراني في « المعجم الكبير » ( 6 / رقم : 5246 ) والبيهقي في « دلائل النبوة » ( 4 / 29 - 30 ) .