القرطبي
144
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
الأرض طيبة ، ونسمة طيبة ، فلا تمر بباب إلا فتح لها ، ولا ملك إلا صلّى عليها ودعا لها ، ويشيعها ، حتى يأتي بها الرحمن . فيقولون : يا ربنا هذا عبدك توفيته في سبيلك ، فيسجد قبل الملائكة ، ثم تسجد الملائكة بعد ، ثم يطهر ويغفر له ، ثم يؤمر فيذهب به إلى الشهداء ، فيجدهم في قباب من حرير في رياض خضر عندهم حوت وثور ، يظل الحوت يسبح في أنهار الجنة يأكل من كل رائحة في أنهار الجنة ، فإذا أمسى وكزه الثور بقرنه فيذكيه فيأكلون لحمه ، فيجدون في لحمه طعم كل رائحة ويبيت الثور في أفناء الجنة ، فإذا أصبح غدا عليه الحوت فوكزه بذنبه فيذكيه فيأكلون فيجدون في لحمه طعم كل رائحة في الجنة ، ثم يعودون وينظرون إلى منازلهم من الجنة ، ويدعون اللّه عز وجل أن تقوم الساعة ، فإذا توفي العبد المؤمن بعث اللّه عز وجل إليه ملكين وأرسل إليه بخرقة من الجنة ، فقال : أخرجي أيتها النفس المطمئنة ، أخرجي إلى روح وريحان ورب عنك غير غضبان ، فتخرج كأطيب ريح من مسك ما وجدها أحد بأنفه قط ، والملائكة على أرجاء السماء يقولون قد جاء من قبل الأرض روح طيبة ونسمة طيبة ، فلا تمر بباب إلّا فتح لها ، ولا بملك إلا دعا لها ، وصلّى عليها ، حتى يؤتى بها الرحمن فتسجد الملائكة ثم يقولون : هذا عبدك فلان قد توفيته وكان يعبدك لا يشرك بك شيئا ، فيقول مروه فليسجد فتسجد النّسمة ، ثم يدعى ميكائيل فيقول : اذهب بهذه فاجعلها مع أنفس المؤمنين ، حتى أسألك عنها يوم القيامة ، ثم يؤمر فيوسع عليه قبره سبعين ذراعا عرضه ، وسبعين ذراعا طوله ، وينبذ له فيه الرياحين ويستر بالحرير ، فإن كان معه شيء من القرآن كفاه نوره ، وإن لم يكن معه جعل له في قبره نور مثل نور الشمس ، ويكون مثله كمثل العروس ينام فلا يوقظه إلا أحب أهله إليه ، قال : فيقوم من نومه كأنه لم يشبع من نومته ، وإذا توفي العبد الفاجر أرسل اللّه إليه ملكين وأرسل بقطعة من نجاد أنتن من كل نتن وأخشن من كل خشن ، فيقال : أخرجي أيتها النفس الخبيثة ، أخرجي إلى حميم وعذاب ، ورب عليك غضبان ، أخرجي وساء ما قدمت لنفسك ، فتخرج كأنتن رائحة وجدها أحد بأنفه قط ، وعلى أرجاء السماء ملائكة يقولون : قد جاءت من الأرض روح خبيثة ، ونسمة خبيثة ، فتغلق دونها أبواب السماء ، ولا تصعد إلى السماء ، ثم يؤمر فيضيق عليه قبره ويرسل عليه حيات أمثال أعناق البخت ، فتأكل لحمه حتى لا تذر على عظمه لحما ، ويرسل عليه ملائكة صم عمي يضربونه بفطاطيس من حديد لا يسمعون صوته فيرحموه ، ولا يبصرونه فيرحموه ، ولا يخطئون حين يضربونه ، ويعرض عليه مقعده من النار بكرة وعشيّا يدعو بأن يدوم ذلك ولا يخلص إلى النار » . وخرّج أبو عبد الرحمن النسائي بسنده عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « إذا احتضر المؤمن أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء فيقولون : أخرجي راضية مرضيّا عنك إلى