القرطبي

142

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

ملائكة من الجنة بيض الوجوه ، كأن وجوههم الشمس ، معهم أكفان من أكفان الجنة ، وحنوط من حنوطها ، فيجلسون منه مدّ البصر ، فإذا قبضها الملك لم يدعوها في يده طرفة عين » قال : « فذلك قوله تعالى : تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ [ الأنعام : 61 ] قال : فتخرج نفسه كأطيب ريح وجدت ، فتعرج به الملائكة فلا يأتون على جند فيما بين السماء والأرض إلّا قالوا : ما هذه الروح ؟ فيقال : فلان ، بأحسن أسمائه ، حتى ينتهوا به أبواب سماء الدنيا فيفتح له ، ويشيعه من كل سماء مقربوها حتى ينتهى به إلى السماء السابعة ، فيقال : اكتبوا كتابه في عليين وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ كِتابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ [ المطففين : 19 - 21 ] فيكتب كتابه في عليين . ثم يقال : ردوه إلى الأرض فإني وعدتهم أني منها خلقتهم ، وفيها نعيدهم ، ومنها نخرجهم تارة أخرى ، قال : فيرد إلى الأرض ، وتعاد روحه في جسده ، فيأتيه ملكان شديدا الانتهار ، فينتهرانه ويجلسانه ، فيقولان : من ربّك ؟ وما دينك ؟ ومن نبيك ؟ فيقول : ربي اللّه ، وديني الإسلام ، فيقولان : فما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم ؟ فيقول : هو رسول اللّه فيقولان : وما يدريك ؟ فيقول : جاءنا بالبينات من ربنا فآمنت به وصدقت قال : وذلك قوله تعالى : يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ [ إبراهيم : 27 ] قال : وينادي مناد من السماء أن قد صدق عبدي ، فأفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة ، وأروه منزله منها ، ويفسح له مدّ بصره ، ويمثل عمله له في صورة رجل حسن الوجه ، طيّب الرائحة ، حسن الثياب ، فيقول : أبشر بما أعدّ اللّه لك ، أبشر برضوان من اللّه وجنات فيها نعيم مقيم ، فيقول : بشّرك اللّه بخير ، من أنت ؛ فوجهك الوجه الذي جاء بالخير ؟ فيقول : هذا يومك الذي كنت توعد ، أو الأمر الذي كنت توعد ، أنا عملك الصالح فو اللّه ما علمتك إلّا كنت سريعا في طاعة اللّه ، بطيئا عن معصية اللّه فجزاك اللّه خيرا . فيقول : يا رب أقم الساعة كي أرجع إلى أهلي ومالي » قال : « فإن كان فاجرا وكان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا جاءه ملك ، فجلس عند رأسه فقال : أخرجي أيتها النفس الخبيثة ، أبشري بسخط من اللّه وغضبه ، فتنزل ملائكة سود الوجوه ، معهم مسوح من نار ، فإذا قبضها الملك قاموا فلم يدعوها في يده طرفة عين ، قال : فتفرق في جسده فيستخرجها ، تقطع منها العروق والعصب ، كالسفود الكثير الشعب في الصوف المبلول ، فتؤخذ من الملك فتخرج كأنتن جيفة وجدت فلا تمر على جند فيما بين السماء والأرض ، إلّا قالوا ما هذه الروح الخبيثة ؟ فيقولون : هذا فلان بأسوإ أسمائه حتى ينتهوا به إلى سماء الدنيا فلا يفتح لهم ، فيقولون : ردوه إلى الأرض إني وعدتهم أني منها خلقتهم وفيها نعيدهم ، ومنها نخرجهم تارة أخرى ، قال : فيرمى به من السماء . قال : وتلا هذه الآية : وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ [ الحج : 31 ] ، قال : فيعاد إلى الأرض وتعاد فيه روحه ، ويأتيه ملكان شديدا الانتهار