القرطبي
140
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
يعمل بأوامره ، ولا ينتهي بنواهيه ، يطوف عليه دهره ولا يعطي منه نفسه خيره ، فيفعل به ما يفعل بالأولين ، ومن الناس من يستحيل عمله جروا يعذّب به في قبره على قدر جرمه » . وفي الأخبار : أن من الناس من يستحيل عمله خنوصا - وهو ولد الخنزير - ومن الناس من يعتاص عليه أن يقول : نبيي محمد ؛ لأنه كان ناسيا لسنته ، ومن الناس من يعتاص عليه أن يقول : الكعبة قبلتي لقلة تحريه في صلاته ، أو فساده في وضوئه ، أو التفات في صلاته ، أو اختلال في ركوعه وسجوده ، ويكفيك ما روي في فضائلها ، أن اللّه لا يقبل صلاة من عليه صلاة ، ومن عليه ثواب حرام . ومن الناس من يعتاص عليه أن يقول : إبراهيم أبي لأنه سمع كلاما يوما أو همه إن إبراهيم كان يهوديّا أو نصرانيّا ، فإذا هو شاك مرتاب ، فيفعل به ما يفعل بالآخرين . وقال أبو حامد : وكل هذه الأنواع كشفناها في كتاب « الإحياء » . وأما الفاجر فيقولان له : من ربك ؟ فيقول : لا أدري ! فيقولان له : لا دريت ولا عرفت ، ثم يضربانه بتلك المقامع حتى يتلجلج في الأرض السابعة ، ثم تنفضه الأرض في قبره ، ثم يضربانه سبع مرات ، ثم تفترق أحوالهم ؛ فمنهم من يستحيل عمله كلبا ينهشه حتى تقوم الساعة ، وهم الخوارج ، ومنهم من يستحيل خنزيرا يعذب به في قبره وهم المرتابون ، وهم أنواع . وأصله أن الرجل إنما يعذب في قبره بالشيء الذي كان يخافه في الدنيا . فمن الناس من يخاف من الجرو أكثر من الأسد ، وطبائع الخلق متفرقة . نسأل اللّه السلامة والغفران قبل الندامة . فصل جاء في حديث البخاري ومسلم سؤال الملكين ، وكذلك في حديث الترمذي ونص على اسميهما ونعتهما . وجاء في حديث أبي داود سؤال ملك واحد ، وفي حديثه الآخر سؤال ملكين . ولا تعارض في ذلك - والحمد للّه - بل كل ذلك صحيح المعنى بالنسبة إلى الأشخاص ، فرب شخص يأتيانه جميعا ، ويسألانه جميعا في حال واحد عند انصراف الناس ، ليكون السؤال عليه أهون ، والفتنة في حقه أشد وأعظم ، وذلك بحسب ما اقترف من الآثام ، واجترح من سيئ الأعمال ، وآخر يأتيانه قبل انصراف الناس عنه ، وآخر يأتيه أحدهما على الانفراد ، فيكون ذلك أخف في السؤال ، وأقل في المراجعة والعتاب ، لما عمله من صالح الأعمال . وقد يحتمل حديث أبي داود وجها آخر وهو : أن الملكين يأتيان جميعا ويكون السائل أحدهما ، وإن تشاركا في الإتيان ؛ فيكون الراوي اقتصر على الملك السائل وترك غيره ، لأنه لم يقل في الحديث أنه لا يأتيه إلى قبره إلّا ملك واحد ، ولو قاله