القرطبي
134
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
والأمل نعمتان عظيمتان على ابن آدم ، ولولا هما ما مشى المسلمون في الطرق » . يريد : لو كانوا من التيقظ وقصر الأمل وخوف الموت بحيث لا ينظرون إلى معاشهم ، وما يكون سببا لحياتهم ، لهلكوا ، ونحوه . قال مطرف بن عبد اللّه : « لو علمت : متى أجلي ؛ لخشيت ذهاب عقلي ، ولكن اللّه سبحانه منّ على عباده بالغفلة عن الموت ، ولولا الغفلة ما تهنّوا بعيش ، ولا قامت بينهم الأسواق » . * * * 46 باب في رحمة اللّه بعبده إذا أدخل في قبره قال عطاء الخراساني : « أرحم ما يكون الرب بعبده إذا دخل في قبره ، وتفرق الناس عنه وأهله » . وروي عن ابن عباس مرفوعا . وقال أبو غالب : « كنت أختلف إلى أبي أمامة الباهلي بالشام ، فدخلت يوما على فتى مريض من جيران أبي أمامة وعنده عم له وهو يقول : يا عدو اللّه ، ألم آمرك ؟ ألم أنهك ؟ فقال الفتى : يا عماه لو أن اللّه دفعني إلى والدتي ، كيف كانت صانعة بي ؟ قال : تدخلك الجنة . قال : اللّه أرحم بي من والدتي ، وقبض الفتى ، فدخلت القبر مع عمه ، فلما أن سواه صاح وفزع . قلت له مالك ؟ قال : فسح له في قبره ، وملئ نورا » . وكان أبو سليمان الداراني يقول في دعائه : « يا من لا يأنس بشيء أبقاه ، ولا يستوحش من شيء أفناه ، ويا أنيس كل غريب ، ارحم في القبر غربتي ، ويا ثاني كل وحيد ، آنس في القبر وحدتي » . ولقد أحسن أبو بكر عبد الرحمن بن محمد بن مفاوز السلمي الكاتب أحد البلغاء بشرق الأندلس حيث يقول : أيها الواقف اعتبارا بقبري * استمع فيه قول عظمي الرميم أودعوني بطن الضريح وخافوا * من ذنوبي وآيسوا من نعيم قلت : لا تجزعوا عليّ فإني * حسن الظن بالرءوف الرحيم ودعوني بما اكتسبت رهينا * غلق الرهن عند مولى كريم * * *