القرطبي

13

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

هي ويحكم أمر الإله وحكمه * واللّه يقضي بالقضاء المحكم يا حسرتا لو كان يقدر قدرها * ومصيبة عظمت ولمّا تعظم خبر علمنا كلنا بمكانه * وكأننا في حالنا لم نعلم وروى الترمذي الحكيم أبو عبد اللّه في « نوادر الأصول » : حدثنا قتيبة بن سعيد والخصيب بن سالم ، عن عبد العزيز الماجشون ، عن محمد بن المنكدر قال : مات ابن لآدم عليه السلام فقال : يا حوّاء قد مات ابنك . فقالت : وما الموت ؟ قال : لا يأكل ولا يشرب ، ولا يقوم ولا يقعد ، فرنّت . فقال آدم عليه السلام : عليك الرنة وعلى بناتك ، أنا وبنيّ منها برآء . فصل قوله : « فلعله أن يستعتب » . الاستعتاب : طلب العتبى ، وهو الرضى ، وذلك لا يحصل إلا بالتوبة والرجوع عن الذنوب . قال الجوهري : استعتب : طلب أن يعتب ، تقول : استعتبته فأعتبني ؛ أي : استرضيته فأرضاني « 1 » . وفي التنزيل في حق الكافرين : وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ [ فصّلت : 24 ] . وروي عن سهل بن عبد اللّه التّستري « 2 » أنه قال : « لا يتمنى الموت إلا ثلاثة : رجل جاهل بما بعد الموت ، ورجل يفرّ من أقدار اللّه تعالى عليه ، أو مشتاق محب للقاء اللّه عزّ وجلّ » . وروي أن ملك الموت عليه السلام جاء إلى إبراهيم عليه السلام خليل الرحمن عزّ وجلّ ليقبض روحه ، فقال إبراهيم : يا ملك الموت هل رأيت خليلا يقبض روح خليله ؟ فعرج ملك الموت عليه السلام إلى ربه فقال : قل له : هل رأيت خليلا يكره لقاء خليله ؟ فرجع ، فقال : اقبض روحي الساعة .

--> ( 1 ) انظر « لسان العرب » ( 9 / 30 ) . ( 2 ) هو : سهل بن عبد اللّه بن يونس ؛ أبو محمد التّستري ، الصوفي الزاهد . من أقواله : « من أراد أن يسلم من الغيبة فليسدّ على نفسه باب الظنون ، فمن سلم من الظن سلم من التجسّس ، ومن سلم من التجسّس سلم من الغيبة ، ومن سلم من الغيبة سلم من الزور ، ومن سلم من الزور سلم من البهتان » . وقال : « الفتن ثلاثة ؛ فتنة العامة من إضاعة العلم ، وفتنة الخاصة من الرخص والتأويلات ، وفتنة أهل المعرفة أن يلزمهم حق في وقت فيؤخروه إلى وقت ثان » . توفي سهل سنة ( 283 ) . انظر : « سير أعلام النبلاء » ( 13 / 330 ) و « شذرات الذهب » ( 3 / 342 - 344 ) و « حلية الأولياء » ( 10 / 189 ) و « النجوم الزاهرة » ( 3 / 98 ) .