القرطبي
112
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
[ النجم : 39 ، 40 ] فانتبه من هذه الرقدة ، واجعل العمل الصالح لك عدّة ، ولا تتمن منازل الأبرار ، وأنت مقيم على الأوزار ، عامل بعمل الفجار ، بل أكثر من الأعمال الصالحات ، وراقب اللّه في الخلوات ، رب الأرض والسماوات ، ولا يغرنّك الأمل ، فتزهد عن العمل ، أو ما سمعت الرسول حيث يقول ، لما جلس على القبور : « يا إخواني ، لمثل هذا فأعدوا » ، أو ما سمعت الذي خلقك فسواك ، يقول : وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى [ البقرة : 197 ] . وأنشدوا : تزوّد من معاشك للمعاد * وقم للّه واعمل خير زاد ولا تجمع من الدنيا كثيرا * فإن المال يجمع للنّفاد أترضى أن تكون رفيق قوم * لهم زاد وأنت بغير زاد ؟ وقال آخر : إذا أنت لم ترحل بزاد من التّقى * ولاقيت بعد الموت من قد تزودا ندمت على أن لا تكون كمثله * وأنك لم ترصد كما كان أرصدا وقال آخر : الموت بحر طافح موجه * تذهب فيه حيلة السابح يا نفس إني قائل فاسمعي * مقالة من مشفق ناصح لا ينفع الإنسان في قبره * غير التقى والعمل الصالح وقال آخر : أسلمني الأهل ببطن الثرى * وانصرفوا عني فيا وحشتا وغادروني معدما بائسا * ما بيدي اليوم إلا البكا وكلّ ما كان كأن لم يكن * وكلّ ما حذرته قد أتى وذاكم المجموع والمقتنى * قد صار في كفي مثل الهبا ولم أجد لي مؤنسا هاهنا * غير فجور موبق أو بقا فلو تراني وترى حالتي * بكيت لي يا صاح مما ترى وقال آخر : ولدتك إذ ولدتك أمّك باكيا * والقوم حولك يضحكون سرورا فاعمل ليوم أن تكون إذا بكوا * في يوم موتك ضاحكا مسرورا وروي عن محمد القرشي أنه قال : سمعت شيخنا يقول : أيها الناس ! إني لكم