ابو المظفر الاسفرايني
4
التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين
وفي عهد الفاروق رضى اللّه عنه أخذ رجل يقال له صبيغ بن عسل يسأل عن المتشابه ، ويتكلم فيما لا يعنيه مما قد يحدث فتنا بين العامة فطلبه عمر وقال له من أنت ؟ قال : أنا عبد اللّه صبيغ ، وقال عمر : أنا عبد اللّه عمر . فأخذ يضربه بعراجين النخل حتى أدمى رأسه . فقال صبيغ : حسبك يا أمير المؤمنين قد ذهب الّذي كنت أجده في رأسي ثم نفاه إلى البصرة حتى صلح حاله . هكذا كان سهر عمر على الفاتنين بين العامة بدون شبهة قائمة تستوجب الكشف . ثم لما حدثت الفتن في عهد ثالث الخلفاء الراشدين ورابعهم رضى اللّه عنهم وجد الفاتنون من الأمم الأخرى المندسون بين المسلمين مرتعا خصبا لبذر بذور الشر والفساد بين أهل الإسلام فبدءوا يسعون جهدهم في تفريق كلمة المسلمين بشتى الوسائل انتقاما منهم لأممهم فتم لهم بعض ما أرادوه . فكانت الخوارج أول المتجردين لتفريق كلمة المسلمين في أخطر أيام الإسلام . وأحداثهم السود مما يسود صحف التاريخ ، ولم تكن نشأة الخوارج نتيجة شبه علمية بل كانت من عاطفة سياسية جامحة ، ونشأة فرق الشيعة رد فعل لعمل هؤلاء تستند على عاطفة كتلك العاطفة . لكن اندس بينهم طوائف من الأمم التي لا تضمر للإسلام خيرا فكدروا صفو التشيع لأهل بيت الرسول صلوات اللّه عليه وآله فضروا الإسلام في صميمه ضررا وبيلا يحمر وجه التاريخ خجلا من تسجيله وتعليله . وفي نشأة المعتزلة يقول أبو الحسين الملطى في رد الأهواء والبدع - وهو أقدم مصدر يبين وجه التلقيب باسم المعتزلة - : ( وهم سموا أنفسهم معتزلة وذلك عندما بايع الحسن بن علي عليه السلام معاوية وسلم إليه الأمر اعتزلوا الحسن ومعاوية وجميع الناس - وكانوا من أصحاب على - ولزموا منازلهم ومساجدهم وقالوا نشتغل بالعلم والعبادة فسموا بذلك معتزلة ) وكان لمتقدميهم فضل الرد على النصارى واليهود والمجوس والصابئة وصنوف الزنادقة . لكن لكثرة احتكاكهم بفرق الزيغ وتحكيمهم العقل في كل شيء وقعوا في بدع خطرة يأتي شرحها . وهكذا عمت البلية ، وشملت المصيبة إلى أن بلغ عدد أصول الفرق وفروعها عددا كبيرا ولا سيما بعد اتساع الفتوح ، وتفرغ الناس للجدل في مسائل كانوا في غنية عن الخوض فيها لو اكتفوا بالعلوم التي تحتها عمل كما أفضنا في بيان ذلك في مقدمة تبيين ابن عساكر ، ومقدمة الرد على نونية ابن القيم . وكان لعلماء أصول الدين سعى مشكور في دفع الشبه وحراسة المعتقد في