محمد جعفر استر آبادى ( شريعتمدار )

290

البراهين القاطعة في شرح تجريد العقائد الساطعة

اتّفقت الأمّة على أنّ اللّه تعالى يعفو عن الصغائر مطلقا وعن الكبائر بعد التوبة ، ولا يعفو عن الكفر قطعا . واختلفوا في جواز العفو عن الكبائر بدون التوبة ، فذهب جماعة من المعتزلة إلى أنّه جائز عقلا غير جائز سمعا « 1 » . وذهب الباقون إلى وقوعه عقلا وسمعا . « 2 » واختاره المصنّف ، واحتجّ على وقوعه عقلا بأنّ العقاب حقّ اللّه تعالى ، فجاز له إسقاط حقّه ، وبأنّ العقاب ضرر على المكلّف ، ولا ضرر على اللّه تعالى بإسقاطه ، وكلّ ما كان كذلك فإسقاطه حسن ، وكلّ ما هو حسن فهو واقع . ولأنّ العفو إحسان والإحسان على اللّه تعالى واجب . وعلى وقوعه سمعا بالدلائل السمعيّة مثل قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ « 3 » وقوله تعالى : قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً « 4 » . إلى غير ذلك من النصوص « 5 » .

--> ( 1 ) . حكاه عنهم العلّامة في « كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد » : 415 ؛ وفي « مناهج اليقين » : 358 ؛ وراجع أيضا « شرح المقاصد » 5 : 148 - 149 ؛ و « شرح الأصول الخمسة » : 644 . ( 2 ) . المصدر السابق . ( 3 ) . النساء ( 4 ) : 48 . ( 4 ) . الزمر ( 39 ) : 53 . ( 5 ) . في هامش « ب » : « أقول : ورد في أخبار كثيرة ما يدلّ على العفو عن المعاصي الصغيرة والكبيرة ، ففي الخبر : إنّ اللّه تعالى يحاسب عبده فترجّحت سيّئاته على حسناته ، فيأمر اللّه تعالى [ به ] إلى النار ، فإذا ذهب به فيقول اللّه تعالى لجبرئيل عليه السّلام : أدرك عبدي واسأله هل جلست مع العلماء في الدنيا فأغفر له بشفاعتهم ؟ فيسأله جبرئيل ، فيقول : لا ، أنت عالم بحال عبدك ، فيقول اللّه تعالى : اسأله هل أحبّ عالما ؟ فيسأله ، فيقول : لا ، فيقول : اسأله هل جلست على مائدة مع العلماء قطّ ؟ فيسأله ، فيقول : لا ، فيقول اللّه تعالى : اسأله هل سكنت مسكنا سكن فيه عالم ؟ فيسأله ، فيقول : لا ، فيقول اسأله : هل يشبه اسمه باسم عالم ؟ فإن وافق اسمه اسم عالم غفرت له ، فإن لم يوافق دعه ، فيقول اللّه لجبرئيل عليه السّلام : اسأله هل أحببت رجلا يحبّ العلماء ؟ فيسأله ، فيقول : نعم ، فيقول