محمد جعفر استر آبادى ( شريعتمدار )
130
البراهين القاطعة في شرح تجريد العقائد الساطعة
فقلت : أنا شريكك فقال : « ولم ؟ » فقلت : لأنّك دعوت وكنت أؤمّن ، قال : « فتقدّم وكل » ، فتقدّمت وأكلت عنبا لم آكل مثله قطّ ما كان له عجم ، فأكلنا حتّى شبعنا ولم تتغيّر السلّة ، فقال : « لا تدّخر ولا تخبّئ منه شيئا » . ثمّ أخذ أحد البردين ودفع إليّ الآخر فقلت : أنا بي غنى عنه فاتّزر بأحدهما وارتد بالآخر وأعطى برديه الخلقين فقيرا سأله ، قلت : من هذا ؟ قال : جعفر الصادق عليه السّلام فطلبته بعد ذلك لأسمع منه شيئا فلم أقدر عليه « 1 » . ثمّ ذكر أحوال مولانا الكاظم عليه السّلام قال : سمّي كاظما لكثرة تجاوزه وحلمه ، وكان معروفا عند أهل العراق بباب قضاء الحوائج عند اللّه ، وكان أعبد أهل زمانه وأعلمهم وأسخاهم . قال : ومن بديع كراماته ما حكي من شقيق البلخي أنّه خرج حاجّا سنة تسع وأربعين ومائة فرآه بالقادسية منفردا عن الناس ، فقال في نفسه : هذا فتى من الصوفيّة يريد أن يكون كلّا على الناس لأمضينّ إليه ولأوبخنّه فمضى إليه ، فقال : « يا شقيق ، اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ » الآية ، « 2 » فأراد أن يحالله فغاب عن عينيه ، فما رآه إلّا بواقصة يصلّي وأعضاؤه تضطرب ودموعه تتحادر ، فجاء إليه ليعتذر فخفّف صلاته وقال له : « وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ » الآية ، « 3 » فلمّا نزلوا زبالة رآه على بئر سقطت ركوته فيها فدعا فطغى الماء حتّى أخذها فتوضّأ وصلّى أربع ركعات ، ثمّ مال إلى كثيب رمل فطرح منه فيها وشرب ، فقلت : أطعمني من فضل ما رزقك اللّه تعالى ، فقال : « يا شقيق ، لم تزل أنعم اللّه علينا ظاهرة فأحسن ظنّك بربّك » فناولنيها ، فشربت منها فإذا سويق وسكّر ما شربت واللّه ألذّ منه ولا أطيب ريحا ، فشبعت ورويت وأقمت أيّاما لا أشتهي شرابا ولا طعاما ، ثمّ لم أره إلّا بمكّة وهو بغلمان
--> ( 1 ) . « الصواعق المحرقة » : 201 - 203 . ( 2 ) . الحجرات ( 49 ) : 12 . ( 3 ) . طه ( 20 ) : 82 .