محمد جعفر استر آبادى ( شريعتمدار )

89

البراهين القاطعة في شرح تجريد العقائد الساطعة

من بعض الموجودات كالإنسان - مثلا - ليس في الواجب أيضا ؛ لأنّ اختيار الواجب تعالى ليس من قبيل اختيارنا ؛ لأنّ اختياره تعالى واجب واختيارنا ممكن ، فيلزم ثبوت الواسطة بين الإيجاب الذي في الطبائع وبين الاختيار الذي فينا ، فأشار قدّس سرّه إلى دفع هذا بقوله : والواسطة غير معقولة » . وحاصله : أنّا سلّمنا أنّ اختيار الواجب ليس من قبيل اختيارنا ، بمعنى أنّه ليس ممكنا واختيارنا ممكن ، وأنّه ليس زائدا واختيارنا زائد ، لكن هذا لا يخرجه عن كونه اختيارا ، بل اللازم حينئذ أن يكون اختياره - جلّ ذكره - آكد وأقوى من اختيارنا ، ويكون اختياره فردا كاملا من الاختيارات ، ومثل ذلك أنّ الوجود إذا فرضناه قائما بذاته ، فهذا لا يخرجه عن كونه وجودا ، بل يكون فردا تامّا من الوجودات . وكالبياض مثلا ؛ فإنّه لو جاز قيامه بنفسه بدون الموضوع لكان بياضا تامّا حاصلا في نفسه ، فقس على ذلك علمه تعالى وقدرته وحياته وغيرها من الصفات الكماليّة . وعلى هذا التوجيه يكون اعتراض الشارح على المصنّف قدّس سرّه غير مقابل نشأ من سوء فهم مراده قدّس سرّه ، فوجّه بعض الشارحين « 1 » كلام المصنّف بحيث يكون اعتراض الشارح غير مقابل أيضا . وحاصله : أنّ موجد الشيء لا يخلو إمّا أن يكون بوجه لا يمكن أن يتخلّف عنه معلوله ، أولا ، فإن كان الأوّل كان موجبا ، وإن كان الثاني كان مختارا ، فلو لم يكن البارئ - سبحانه وتعالى - مختارا كان موجبا ؛ لأنّه لا واسطة بين كون موجد العالم قادرا وبين كونه موجبا على ما ذكرنا ، فتجويز أنّ موجد العالم لا يكون قادرا ولا موجبا ، بل يكون متوسّطا بين الإيجاب والاختيار غير معقول . وإلى هذا أشار المصنّف بقوله : « والواسطة غير معقولة » .

--> ( 1 ) . ذكر اللاهيجي رحمه اللّه هذا التوجيه في « شوارق الإلهام » : 504 .