محمد جعفر استر آبادى ( شريعتمدار )
195
البراهين القاطعة في شرح تجريد العقائد الساطعة
تعالى لا يعلم غيره ؟ ومن أيّ جهة يجب أن يقال : إنّه عالم بجميع الموجودات ؟ فنقول : قال أبو الوليد محمّد بن رشد الأندلسي في كتاب جامع الفلسفة « 1 » - بعد ذكر المبادئ المفارقة ووجوب انتهائها إلى مبدأ أوّل ، وأنّ كلّا عاقل لذاته - : فلينظر هل يمكن في واحد واحد منها أن يعقل شيئا خارجا من ذاته ، أم لا ؟ فنقول : إنّه قد تبيّن في كتاب النفس أنّ المعقول كمال العاقل وصورته ، فمتى أنزلنا واحدا منها يعقل غيره ، فإنّما يعقله على أنّه يستكمل به ، فذلك الغير مقدّم عليه وسبب في وجوده ، فمن البيّن أنّه ليس يمكن أن يتصوّر العلّة منها معلولها ، وإلّا أمكن أن يعود العلّة معلولة ويستكمل الأشرف بالأقلّ شرفا ، وذلك محال . ومن هنا يظهر - كلّ الظهور - أنّه إن وضع لها مبدأ أوّل ليس بمعلول لشيء - على ما تبيّن فيما سلف أنّه لا يتصوّر إلّا ذاته وليس يتصوّر معلولاته وليس هذا شيئا يخصّ المبدأ الأوّل منها ، بل ذلك شيء يعمّ جميعها حتّى عقول الأجرام السماويّة - فإنّا لا نرى أنّها تتصوّر الأشياء التي دونها فإنّه لو كان كذلك لاستكمل الأشرف بالأخسّ ، وإذا كان الأمر على هذا ، فكلّ واحد من هذه المبادئ وإن كان واحدا - بمعنى أنّ العاقل والمعقول فيه واحد - فهي في ذلك متفاضلة ، وأحقّها بالوحدانيّة هو الأوّل البسيط ثمّ الذي يليه . وبالجملة ، فكلّ ما احتاج في تصوّر ذاته إلى مبادئ أكثر ، فهو أقلّ بساطة وفيه كثرة ما وبالعكس ، فكلّ ما احتاج في تصوّر ذاته إلى مبادئ أقلّ فهو أكثر بساطة ، حتّى أنّ البسيط الأوّل بالتحقيق إنّما هو الذي لا يحتاج في تصوّر ذاته إلى شيء من خارج . فهذا هو الذي أدّى إليه القول من أمر تصوّر هذه المبادئ إلّا أنّه قد يلحق ذلك شناعات كثيرة إحداها أن تكون هذه المبادئ جاهلة بالأشياء التي هي لها مبادئ ،
--> ( 1 ) . في النسخ : « الفلاسفة » وما أثبتناه من « شوارق الإلهام » .