محمد جعفر استر آبادى ( شريعتمدار )
152
البراهين القاطعة في شرح تجريد العقائد الساطعة
نعم ، يصحّ ذلك في صفة الكلام من غير لزوم دور ؛ فإنّ صدق الرسول لا يتوقّف على كون المرسل متكلّما ؛ لصحّة الإرسال من غير تكلّم بأن ينصب ما يدلّ على المراد . وقد يقال : لعلّ تمسّكهم بالأدلّة السمعيّة إنّما هو في عموم العلم وشموله لجميع الموجودات كلّيّة كانت أو جزئيّة ، فلا يلزم الدور ، فتأمّل . وأمّا الثاني من الطريقين على إثبات علمه تعالى بذاته وبما سواه - وهو المختصّ بالحكماء - فتقريره أنّه تعالى مجرّد عن المادّة وغواشيها ؛ لأنّ ملابسة الغواشي المادّيّة نقص وحاجة ، فهي ممتنعة عليه تعالى ، وكلّ مجرّد عاقل لذاته ؛ لما مرّ في مبحث التعقّل من مسألة العلم من مباحث الأعراض مستقصى . ونقول هاهنا : إنّ حقيقة التعقّل إنّما هو حصول المجرّد لمجرّد سواء كان بقيامه به - كما في تعقّل النفس الناطقة لمعقولاتها - أو بنحو آخر كما في إدراكها لذاتها ، وكلّ مجرّد قائم بذاته ؛ فإنّ ذاته حاصلة لذاته ، غير فاقدة إيّاها بالضرورة ، فذاته - من حيث إنّها يصدق عليها أنّها مجرّدة حاصلة لمجرّد - هي معقولة ، ومن حيث إنّها مجرّدة قد حصل لها مجرّد هي عاقلة ، فكلّ مجرّد عاقل لذاته ، ومعقول لذاته . قال الشيخ في التعليقات : إذا قلت : إنّي أعقل الشيء ، فالمعنى أنّ أثرا منه موجود في ذاته ، فيكون لذلك الأثر وجود ، ولذاتي وجود ، فلو كان وجود ذلك الأثر لا في غيره ، بل فيه ، لكان أيضا يدرك ذاته ، كما أنّه لو كان وجوده لغيره أدركه الغير « 1 » انتهى . وإذا ثبت هذا ثبت أنّه تعالى عاقل لذاته وعالم بها ، ثمّ إنّه تعالى علّة لجميع ما سواه ؛ لكون جميع ما سوى الله ممكنات ؛ لبرهان التوحيد - على ما سيأتي - ولوجوب انتهاء الحاجة في الممكنات إلى واجب الوجود كما مرّ . والعلم بالعلم يستلزم العلم بالمعلول . والمراد بها أنّ العلم التامّ بالعلّة - أي العلم
--> ( 1 ) . « شرح المقاصد » 4 : 112 .