الشيخ السبحاني
28
البداء في ضوء الكتاب والسنة
بإطلاق العدليّة ، وإرادة من ينفي العدل . وعلى كل تقدير ، فإنّه ممّا لا شك فيه انّ القدر أمر ثابت في الدين ولا يمكن إنكاره أبدا وقد جاء به القرآن الكريم ، وصرّحت به السنن الصريحة ، غير أن الكلام انّما هو في تحكيم القدر على أفعال اللّه تعالى ومشيئته المطلقة فيثبته المجبّرة وينكره الشيعة الاماميّة ، إذ يقولون : انّ للّه مشيئة في ما قضى وقدّر ، وانّ التقدير لا يجعله مغلول اليدين ومكتوفهما . فالمغالاة في القدر وتحكيمه على مشيئته ، وإجرائه على أفعاله سبحانه ، والقول بانّه تعالى محكوم بقدره ، ممّا تخالفه البراهين العقليّة ، وتعارضه الآيات القرآنيّة مثل قوله سبحانه : « يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ » ( الرعد - 39 ) ، وما سبق من الآيتين حول النسخ والانساء معلّلا سبحانه جوازهما بوجهين ، وقد أوضحنا حالهما فلاحظ سورة البقرة الآية 106 - 107 . فالعقيدة الصحيحة عبارة عن عدم تحكيم قدره على إرادته ومشيئته . كما أنّ تعلّق قدره بافعال الانسان يجب أن يكون على وجه لا يسلب الاختيار عنه بل يكون الانسان مختارا في فعله وتركه وعمله ونيّته . فتفسير القدر وإجراؤه في أفعاله سبحانه أوّلا ، وأفعال البشر ثانيا على الوجه اللائح من « القدريّة » المستلزم لحكومته على أفعال الخالق والمخلوق وإرادتهما ومشيئتهما يستلزم الجبر الباطل المحكوم بالعقل والنقل .