الشيخ السبحاني

86

بحوث في الملل والنحل

منسوبة ، وبدراسة القرآن معروفة ، ولكم في أعين الناس مهابة ، وفي المدائن والأسواق مكرمة ، يهابكم الشريف ، ويكرمكم الضعيف ، ويرهبكم من لا فضل لكم عليه . يُبدَأ بكم عند الدعوَة ، والتُحَفَة « 1 » ، ويشار إليكم في المجالس ، وتشفعون في الحاجات ، إذا امتنعت على الطالبين . وآثاركم متبعة ، وطرقكم تسلك . كل ذلك لما يرجوه عندكم من هو دونكم من النجاة في عرفان حقّ اللَّه تعالى . فلا تكونوا عند إيثار « 2 » حقّ اللَّه تعالى غافلين ، ولأمره مضيّعين ، فتكونوا كالأطباء الذين أخذوا ثمن الدواء وأعطبوا المرضى . وكرعاة استوفوا الأجر وضلّوا عن المرعى . وكحرّاس مدينة أسلموها إلى الأعداء ، هذا مثل علماء السوء . لا مالًا تبذلونه للَّه تعالى ، ولا نفوساً تخاطرون بها في جنب اللَّه تعالى ، ولا داراً عطلتموها ، ولا زوجة فارقتموها ، ولا عشيرة عاديتموها . فلا تتمنوا ما عند اللَّه تعالى وقد خالفتموه . فترون أنّكم تسعون في النور ، وتتلقاكم الملائكة بالبشارة من اللَّه عزّ وجلّ ؟ كيف تطمعون في السلامة يوم الطامة ؟ ! وقد أخرجتم الأمانة ، وفارقتم العلم ، وأدهنتم في الدين . وقد رأيتم عهد اللَّه منقوضاً ، ودينه مبغوضاً ، وأنتم لا تفزعون ومن اللَّه لا ترهبون . فلو صبرتم على الأذى ، وتحملتم المؤنة في جنب اللَّه لكانت أُمور اللَّه صادرة عنكم ، وواردة إليكم .

--> ( 1 ) . التحفة : بضم المثناة وتسكين المهملة : البر واللطف . ( 2 ) . الإيثار : التقديم والتفضيل ، والمعنى هنا : فلا تكونوا غافلين عند إيثار وتقديم حقّ اللَّه تعالى والدفاع عنه .