الشيخ السبحاني

486

بحوث في الملل والنحل

اللَّه ؛ بمعنى أنّه خلقها ، ولا أنّه أمر بها ، وأمّا أنّه تعالى عالم بها فهو تعالى عالم بها ، لأنّها من جملة المعلومات ، وعِلْمُه بها لم يحمل العبد على فعلها ، ولم يجبره على صنعها كما تقدم . فصل [ في أنّ اللَّه لا يكلف أحداً فوق طاقته ] فإن قيل : هل ربك يُكلّف أحداً فوق طاقته ؟ فقل : لا ، بل لا يكلف أحداً إلّا ما يطيق ؛ لأنّ تكليف ما لا يطاق قبيح ، وهو تعالى لا يفعل القبيح ، فقد قال تعالى : « لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها » [ البقرة : 286 ] ، والوسع : دون الطّاقة ، وقال : « إِلَّا ما آتاها » [ الطلاق : 7 ] . فصل [ في أنّ اللَّه لا يريد شيئاً من القبائح ] « 1 » فإن قيل : أربك يريد شيئاً من القبائح ؟ فقل : إنّه تعالى لا يريد شيئاً منها ، فلا يريد الظلم ، ولا يرضى الكفر ، ولا يحب الفساد ، لأنّ ذلك كله يرجع إلى إرادة القبيح ، وإرادة القبيح هي قبيحة ، وهو تعالى لا يفعل القبيح . ألا ترى أنّه لو أخبرنا مُخبرٌ ظاهرهُ العدالة ، بأنّه يريد الزنا والظلم لسقطت عدالته ، ونقصت منزلته ، عند جميع العقلاء ، ولا علّة لذلك إلّا أنّه أتى قبيحاً ، وهو إرادة القبيح . وقد قال تعالى : « وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ » [ البقرة : 205 ] . وقال : « وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ » [ الزمر : 71 ] . وقال : « وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ » [ غافر : 31 ] .

--> ( 1 ) . مضى الكلام فيه في التعليقة السابقة .