الشيخ السبحاني

288

بحوث في الملل والنحل

وسيّرهم إلى يوسف ليجمع بينهم وبين خالد فقدموا عليه ، فقال يوسف لزيد : إنّ خالداً زعم أنّه أودعك مالًا . قال : كيف يودعني وهو يشتم آبائي على منبره ؟ ! فأرسل إلى خالد فأحضره في عباءة ، فقال : هذا زيد قد أنكر أنّك قد أودعته شيئاً . فنظر خالد إليه وإلى داود بن علي وقال ليوسف : أتريد أن تجمع مع إثمك في اثماً في هذا ؟ كيف أودعه وأنا أشتمه وأشتم آباءه على المنبر ! فقالوا لخالد : ما دعاك إلى ما صنعت ؟ قال : شدّدَ عليّ العذاب فادّعيت ذلك وأمَّلت أن يأتي اللَّه بفرج قبل قدومكم . فرجعوا وأقام زيد وداود بالكوفة . وقيل : إنّ يزيد بن خالد القسري هو الذي ادّعى المال وديعة عند زيد . فلمّا أمرهم هشام بالمسير إلى العراق إلى يوسف استقالوه خوفاً من شر يوسف وظلمه ، فقال : أنا أكتب إليه بالكفّ عنكم ، وألزمه بذلك ، فساروا على كره . وجمع يوسف بينهم وبين يزيد ، فقال يزيد : [ ما ] لي عندهم قليل ولا كثير . قال يوسف : أبيَ تهزأ أم بأمير المؤمنين ؟ فعذبه يومئذ عذاباً كاد يهلكه ، ثمّ أمر بالفرّاشين فضُربوا وترك زيداً . ثمّ استحلفهم وأطلقهم ، فلحقوا بالمدينة ، وأقام زيد بالكوفة ، وكان زيد قد قال لهشام لما أمره بالمسير إلى يوسف : ما آمن إن بعثتني إليه أن لا نجتمع أنا وأنت حيّين أبداً . قال : لا بد من المسير إليه ، فساروا إليه « 1 » . لا شك أنّ هذا الحديث مهما كان صحيحاً ، لا يكون مبرراً للثورة ، لو لم يكن هناك عنصر قوي دفعه إليها . وأظن أنّ الوالي المتتبع لعثرات الوالي الأوّل اتّهمه بأنّه ابتاع من زيد أرضاً بالمدينة بعشرة آلاف دينار ثمّ ردّ الأرض عليه ولم يكن هناك أي بيع وشراء ، خصوصاً ، البائع يقطن المدينة والمشتري والى العراق ، والأرض المشتراة في المدينة ، ومن أين لزيد مثل هذه الأرض بهذه القيمة العالية ؟

--> ( 1 ) . ابن الأثير الجزري : 5 / 229 - 230 .