الشيخ السبحاني

261

بحوث في الملل والنحل

وقال : أمّا بعد فإنّ أمير المؤمنين ( ابن الزبير ) بعثني على مصركم وثغوركم وأمرني بجباية فيئكم وأن لا أحمل فضل فيئكم عنكم إلّا برضا منكم ، وأن أتّبع وصية عمر ابن الخطاب التي أوصى بها عند وفاته ، وسيرة عثمان بن عفان فاتقوا اللَّه واستقيموا ولا تختلفوا وخذوا على أيدي سفهائكم فإن لم تفعلوا فلوموا أنفسكم ولا تلوموني ، فوالله لأُوقعنَّ بالسقيم العاصي ، ولأُقيمنّ درع الأصعر المرتاب « 1 » . ولو كان كلامه مقياساً لشعوره ودهائه وسياسته ، فهذه الخطابة التي ألقاها ، دليل على عدم تعرفه على بيئته ، والنفسيات الحاكمة على سكانها فإنّ ما ذكره إنّما كان يتجاوب مع أفكار قليل من أهل الكوفة الذين كانوا يتجاوبون مع بني أُمية ويحبّون خطهم ، وأمّا الأكثرية الساحقة ، فكانوا على خلاف تلك الفكرة . ولأجل ذلك قام السائب بن مالك الأشعري ولم يمهله لإتمام كلامه وقال : « أمّا حمل فيئنا برضانا فإنّا نشهد أنّا لا نرضى أن يحمل عنّا فضله ، وأن لا يقسم إلّا فينا ، وأن لا يُسار فينا إلّا بسيرة علي بن أبي طالب التي سار بها في بلادنا هذه حتى هلك ، ولا حاجة لنا في سيرة عثمان في فيئنا ولا في أنفسنا ، ولا في سيرة عمر بن الخطاب فينا وإن كانت أهون السيرتين علينا وكان يفعل بالناس خيرا » . فقال يزيد بن أنس : صدق السائب وبرّ ، وعندئذ تنبه عبد اللَّه بن مطيع أنّ كلامه لم يكن بليغاً مطابقاً لمقتضى الحال فعاد بتلطيف ما سبق وقال : نسير فيكم بكل سيرة أحببتموها ثمّ نزل « 2 » . لمس المختار ما تتبناه الأكثرية الساحقة من أهل الكوفة والعراق ولم يكن آنذاك في وسعه تحقيق العدل الاجتماعي الذي سار به علي عليه السلام في أيامه ، ولكن كانت فيه مقدرة عظيمة على أخذ الثأر حتى يتمكن من الأخذ بمجامع القلوب .

--> ( 1 ) . الجزري : الكامل في التاريخ : 4 / 211 - 213 . ( 2 ) . الجزري : 4 / 213 .