الشيخ السبحاني

230

بحوث في الملل والنحل

في الجزء الخامس من هذه الموسوعة أغضبت جمهور المسلمين وأثارتهم ضد الخليفة حتى انتهت إلى قتله في داره ، والمهاجرون والأنصار ، بين مجهز عليه ، أو مؤلّب ضده ، أو مستبشر بمقتله أو صامت رهين بيته محايد عن الطرفين « 1 » . قُتل عثمان بسيف مروان بن الحكم الذي سلّه عليه بأعماله المأساوية في بلاطه ، وجاء بعده الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام بإلحاح من الجماهير وبايعوه على أن يرد الإسلام إلى عصر الرسول ، وقد امتنع في بدء الأمر عن قبول الخلافة وتزهد فيها كما تزهد في عصر الخلفاء ، غير أنّه لمّا تمت الحجّة عليه ورأى أنّ في التقاعس عن قبولها ضرراً على الإسلام والمسلمين أخذ بزمام الخلافة بيد من حديد وقد خضعت له الأوساط الإسلامية بعمالها وأُمرائها قاطبة إلّا معاوية بن أبي سفيان ، فقد استمر على العناد ، واقفاً على أنّه لو بايع الإمام للحقه العزل عن العمل ، ومصادرة الأموال الطائلة . فبقي على المخالفة وألّب بعض المهاجرين والأنصار على الإمام حتى بايعهم خفاء إلى أن يبايعهم جلياً بعد سحب الإمام عن ساحة الخلافة ، إلى أن آل الأمر إلى تأجيج نار حروب ثلاثة ( الجمل وصفين والنهروان ) قد عرفت تفاصيلها في الجزء الخامس ، فلو قتل في الجمل قرابة أربعة عشر ألف مقاتل من الطرفين ، أو قتل في صفين سبعين ألف مقاتل من العراقيين والشاميين ، أو نشبت حروب دامية بين أنصار علي والخارجين على بيعته ، طوال سنين ، فكلّها من جرائم وآثام ذلك الخلاف والعناد والخروج على الإمام . التحق الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام إلى الرفيق الأعلى وقتل بيد أشقى الأوّلين والآخرين عبد الرحمن بن ملجم عام أربعين ، ومعاوية بعدُ قابع على كرسيه ، وقد صفا له الجوّ برحيل علي عليه السلام فلم ير في الساحة إنساناً منافساً ولا مخالفاً سوى ، الحسن بن علي عليه السلام لأنّ الجماهير من المهاجرين والأنصار الذين كانوا مع علي في العراق بايعوه بالخلافة والإمامة ولكن معاوية خالفه ولم يبايعه كما

--> ( 1 ) . الطبري : التاريخ : 3 / 399 .